الصفحة 62 من 164

إن الصورة المُثلى التي ينبغي على المسلم تمثلها والاقتداء بها والاهتداء بهديها هي ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصحابته الكرام - رضي الله عنهم - الذين تربوا على يديه - صلى الله عليه وسلم - في مدرسة النبوة الطيبة الطاهرة، فقد توكلوا على الله تعالى وأخذوا بالأسباب من حرث وزراعة، وتجارة وصناعة وسوى ذلك من الأسباب، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرهم يراهم في أخذهم بالأسباب وهو راضٍ عنهم في ذلك كله،، ويسلكون هذا السبيل في الاكتساب والتعلق بالأسباب [1] .

إن في الأخذ بالأسباب إدراكًا للمسئولية التي أناطها الإسلام بالمسلم في حياته كقوة فاعلة، وذات وجود مؤثر في الحياة، وذلك أن المسلم لا يعيش لنفسه فقط، بل يعيش لها ولأمته من أجل مرضاة ربه، وعزة دينه؛ لأنه - ومن خلال شعوره بمسئوليته الخاصة - يستشعر مسئوليته العامة تجاه غيره من أبناء أمته الإسلامية، فالأخذ بالأسباب في طلب الرزق أمر له دلالته العقدية، والنفسية والاجتماعية، والتربوية، وهو يعكس قيمة المسلم وأهميته في الحياة وفائدته، وأثره الذي يتجاوز حدود خصوصيته ليشمل إخوانه من المسلمين ويتعدى إلى بني الإنسان، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تؤكد هذه المعاني وتدل عليها، ومن ذلك قول الله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [2] فهذا النص الكريم يبين أن المؤمنين ذووا مسئولية عامة تتجاوز نطاق المسئولية الخاصة، ولو أن النص الكريم وقف عند ذكر الصفات الأولى لهؤلاء المؤمنين لأمكن القول: إن مسئولية المؤمنين مسئولية خاصة، فوَجَلُ القلوب، والانفعالُ بآيات الله تعالى عند سماعها مما يترتب عليه زيادة الإيمان، والتوكلُ على الله تعالى، وإقامُ الصلاة كلها صفاتٌ وأعمالٌ يأخذ فيها جانبُ أعمال القلوب حيزًا كبيرا، ً أي أنها تقع في نطاق المسئولية الخاصة، فمنافعها وآثارها تعود على فاعلها فحسب، لكن النص الكريم جاءت فيه بعد ذلك صفة الإنفاق، وهي متعدية النفع والأثر إلى الآخرين، فالمؤمنون ينفقون مما أعطاهم الله تعالى ورزقهم من مال وغيره، ومع أن الإنفاق يمكن أن يكون في المحسوسات والمعقولات، وهو الإطلاق الذي يناسب الشمولية لمسئولية المؤمنين، إلاَّ أن الإنفاق من المال هو الغالب، والمؤمنون ينفقون على إخوانهم المسلمين من أرحام وقرابات، وصداقات

(1) أحكام القرآن لابن العربي (2/ 916) .

(2) سورة الأنفال: (2 - 3 - 4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت