فهرس الكتاب
للأحياء، وبطنها بيوتًا للأموات ولدفن ما يستقذر رائحته من الجيف والأقذار من أجسام بني آدم، فهي كِفَاتٌ لهم أحياء وأمواتًا. ومنها أن جعلها مذللة لتسهل حركة الخلق فوقها لطلب مآربهم فهي موضوعة لبقاء النسل من جميع أصناف الحيوان والحرث والنبات.
ولكي تتيسر مصالح الخلق فوق الأرض جعلها الله تعالى مستقرة ولو كانت رجراجة لما أمكن الهناء بعيش فوقها، ومن عرف الزلزال عرف قيمة نعمة استقرار الأرض بأمر الله تعالى. قال تعالى: ? ? ? ? ? ? ? [1] ، هيَّأ الأرض والسماء للإنسان، فأخبر عن خلقه ورزقه. ومن الآيات في خلق الأرض أن الله خلق فيها من المعادن وما يخرج من أنواع الجواهر المختلفة في منافعها وألوانها مثل: الذهب والفضة والياقوت والزمرد، والحديد والنحاس والقِزْدِير والرصاص والكبريت والزرنيخ والرخام والجبس والبترول، وهذه الآيات - وغيرها كثير يطول ذكرها - كلُّها تأتي في دائرة رحمة الله تعالى وعنايته بخلقه بتيسير سبل حياتهم فوق هذه الأرض وتسهيل أمر رزقهم، ونجد في قول الله تعالى ? ? ? ? ? ? ? ? [2] ، ما يدل على أن الله تعالى جعل الأرض ذلولًا، ودعا خلْقه بناء على هذا التذليل إلى الاستفادة منه كنعمة عظيمة من الله، وذلك بأن أمرهم بشيئين: المشي في أطرافها والاستفادة مما فيها من الخيرات، والأكل من رزق الله الذي يسر سبله برحمته وإحسانه، والله تعالى الذي خلق الأرض هو خالق السماء، ولكن أين خلق الإنسان والناس من خلق الأرض والسماء؟ إن القرآن يقرر أن خلقهما أكبر من خلق الناس، قال الله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [3] وإذا كان الأمر حقًا وصدقًا كما قرر القرآن الكريم فهل يعجز الله تعالى الذي خلق السماوات والأرضين وخلق ما فيهن وما بينهن، وقدَّر أرزاق مخلوقاته وأقرَّها فيهنَّ عن تدبير رزق هذا الإنسان في هذه المساحة الصغيرة من اليابسة فوق الكرة الأرضية؟
إنه لا يعجزه سبحانه شئ في السماوات ولا في الأرض، فهو العليم القدير بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير، وماذا تشكل الأرض ككوكب صغير بالنسبة إلى باقي الكواكب والمجرات الهائلة العظيمة الخلق؟ إنها لا تشكل شيئًا إلا كما تشكل نقطة الماء بالنسبة إلى محيط متلاطم الأمواج. وهل يشكل هذا الإنسان وهو يعيش فوق تلك المساحة اليسيرة اليابسة فوق الكرة أية
(1) سورة غافر: (64) .
(2) سورة الملك: (15) .
(3) سورة غافر: (57) .