ولما كان الرزق - في جانبه المادي- يمثل بقاء الإنسان في الحياة، فلم يجعل الله تعالى لأحد من خلقه التحكم في قضية الرزق، وذلك أنَّ النَّاس لو مُكِّنوا من ذلك، وتحكم بعضهم في رزق بعض، لأدى ذلك إلى انتشار الفساد والفوضى، والاضطراب والطغيان. فالرزق بيد الله وحده، والخلق خلقه، والرزق رزقه فهو وحده الخلاق الرزاق، والحِكَم في هذا الأمر كثيرة لا تحصى، ولعل منها ما يبدو أنه توجيه لعباد الله المؤمنين في أن يَعُوا الدرس العظيم، وهو: أن الخلق لم يُخلقوا لِيُكلَّفُوا رزق أنفسهم أو رزق غيرهم، ولكنهم خلقوا لغاية عظمى وهدف أسمى، وذلك عبادة الله تعالى ومعرفته، قال تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [1] ، وقال أبومعاوية الأسود:"لا تهتم بأرزاق من تُخَلِّفْ، فلست بأرزاقهم تُكلَّفْ" [2] أهـ. فلا ينبغي للمؤمن بناء على ذلك، أن يرتع في هذه الحياة كما يرتع الغافلون، فيعطيها كل همه أو يسعى وراءها سعي البهائم لا يلوي على شيء، وذلك صنيع أهل السفه في كل زمان
(1) سورة الذاريات: (56 - 58) .
(2) أخرجه ابن أبي الدنيا في العيال (2/ 654 رقم 467) .