الصفحة 47 من 164

يرتدون ثياب الذل والتضرع والمناجاة لله سبحانه وتعالى، مُطَّرِحِين بين يديه في بكاء وخشوع ساجدين لجلاله وعظمته، صاغرين لكبريائه، وجبروته، طامعين في عفوه ورحمته، لا يعرف الليلُ لهم لغةً إلاَّ قراءة القرآن في قنوتهم الطويل لربهم العظيم، ولا يسمعُ لهم الليلُ في ركوعهم وسجودهم صوتًا، إلاَّ البكاء الطويل إذا قاموا لربهم قانتين كأنهم أعمدة ثابتة لا تتحرك، وإذا سجدوا كأنهم جسم ألقي على الأرض لا يرى له أدنى حركة. وهم فرسان بالنهار يُشيعون في الحياة الخير والإيمان، صدورهم منشرحة، وقلوبهم مطمئنة، ووجوههم مستنيرة وضيئة، خطواتهم مباركة موفقة، يتلمسون أسباب رزقهم في جد وعزة، ويحسنون أداءهم في تطوير تلك الأسباب، وتنميتها واستثمارها بصورة تدل على فهم، وتوازن، فكان لهم من خلال ذلك أموال [1] أحسنوا الأداء فيها، وتوجيهها الوجهة الصحيحة، فأصبحت هذه الأموال مستوجبًا فيها حق الله المفروض، بالزكاة، وحقه المندوب بالصدقة.

إن هؤلاء المؤمنين لم يكتفوا بانتصارهم على أنفسهم في ميدان العبادة القلبية لله تعالى. وإسلام القلب له، وتعلقه به سبحانه وتعالى، وإنما انتصروا في ميدان البذل والعطاء لإخوانهم المسلمين، فجمع الله تعالى لهم الكرامة والكرم في

(1) وفي الحث على التجارة للخلال (47 رقم 44) :"عن إبراهيم أنه قال: كان يقال: التاجر خير من الجالس".

وفيه (38 رقم 24) :"قال أبويوسف بن أسباط لشعيب بن حرب: أشعرت أن طلب الحلال فريضة؟ قال: نعم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت