لقد سُوِّسْتَ أمرَ بَنيك، حتى * تركتَهم أدقَّ من الطحين
وقال الفراء: سُوِّست، خطأٌ. وفلانٌ مُجرَّبٌ قد ساسَ وسيسَ عليه، أي أمَرَ وأُمِرَ عليه. وفي الحديث:"كان بنو إسرائيل يسُوسُهم أنبياؤهم"، أي تتولى أمورَهم كما يفعلُ الأُمراءُ والوُلاةُ بالرَّعيَّة. والسياسة: القيامُ على الشيء بما يُصلِحُه) إهـ" [1] . فهي عنده لفظة عربية لا ريب فيها، ولا يختلف معناها عما يفهمه الناس منها اليوم، وهي الاشتغال بأمور الرعية على سبيل القيادة والتدبير."
ويخالفه المقريزي (أحمد بن علي، ت 845 هـ) الذي يراها مصطلحًا دخيلًا عرِّب عن المغولية، ويعني جملة القوانين التي حكم بها جنكزخان وخلفاؤه [2] .
ويخرج الفقيه الحنبلي علي بن عقيل (ت 513 هـ) من دائرة البحث اللغوي للكلمة ليرسم ما ينبغي أن تكون عليه في واقع الناس، فيقول في تعريفها:"السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول -، ولا نزل به الوحي" [3] .
فيما يستند الفقيه الحنفي ابن نجيم (زين الدين بن إبراهيم، ت 970 هـ) على مصطلحات الفقهاء ليؤكد أن لفظة (السياسة) لم تعرف في الاستخدام بالمعنى الذي وصلت إليه في عصره [4] ؛ فيقول:"ولم أر في كلام مشايخنا تعريف السياسة". ثم ينقل عن المقريزي قوله السابق، ثم يتابع فيقول:"والسياسة نوعان: سياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الشريعة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، وقد صنف الناس في السياسة الشرعية كتبًا متعددة. والنوع الآخر سياسة ظالمة، فالشريعة تحرّمها" [5] .
وعلّق، خاتمُ محققي الحنفية، ابن عابدين (محمد أمين بن عمر، ت 1202 هـ) في حاشيته على البحر الرائق المسماة (منحة الخالق على البحر الرائق) على قول ابن نجيم:"ولم أرَ في كلام مشايخنا تعريف السياسة"، فقال:"وظاهر كلامهم هنا أن السياسة هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي" [6] .
ومن خلال ما تقدم"نخلص إلى أن السياسة الشرعية نوعان اثنان:"
أولًا: أحكام الوقائع التي لا يوجد لها دليل خاص صريح في القرآن ولا السنّة، ولا الإجماع، ولا يوجد لها دليل تقاس عليه.
ثانيًا: الأحكام التي من شأنها ألا تبقى على وجه واحد، وإنما تختلف باختلاف العصور والأحوال، وتتبدل بتبدل المصالح، وتتغير بتغير الظروف والمجتمعات. فالوقائع التي لا يوجد لها دليل خاص صريح من النصوص والإجماع، ولا يوجد لها نظير تقاس عليه، فإن السياسة
(1) ابن منظور، لسان العرب، قم، نشر: آداب الحوزة، 1405 هـ، ص 6/ 108.
(2) المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، تصوير بالأوفست، ب. ت، ص 2/ 220 ويرى د. رضوان السيد أن موقف المقريزي في هذا التعريف تعبير عن (معارضة) حكم المماليك، الذين هم في النتيجة من جنس الترك الذين حكموا بكتاب جنكيزخان، ويراه امتدادًا لنقد الفقهاء من مختلف المذاهب ابتداء من القرن الخامس الهجري (أيام السلاجقة) ، فقد فعل ذلك الجويني (ت 478 هـ) في البرهان والغياثي، وابن عقيل (ت 513 هـ) وابن تيمية (ت 728 هـ) وابن القيم (ت 751 هـ) . انظر (الحياة) اللندنية عدد 12903، تاريخ 2/ 7/98 م، ص 19.
(3) ابن القيم، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تحقيق: محمد جميل غازي، القاهرة، مطبعة المدني، ط؟، 1977 م، ص 17.
(4) القرن العاشر الهجري.
(5) ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم، ت 970 هـ، البحر الرائق .. شرح كنز الدقائق، بيروت، دار الكتاب الإسلامي، ط 2 بالأوفست، ص 5/ 76.
(6) ابن نجيم، البحر الرائق، ص 5/ 76.