والكلام على الحقوق والواجبات، وتطوير المفاهيم المتعلقة بهما، يصب بشكل مباشر في الاعتقاد بصلاحية الإسلام واستمراره، ذلك لأن أزمة الإنسان المعاصر في أهم جوانبها تتعلق بالحفاظ على الإنسان نفسه، بعيدًا عن مواطن الاستغلال التي يعيشها في المجتمع الاستهلاكي حيث يتم التعامل معه على أساس (السلعة) لا أساس (القيمة) ، وكأني بالإنسان أصبح سلعةفي ميدان النشاط الاقتصادي المعاصر، ينظر إليه من زاوية الربح والخسارة الماديين، على حساب القيم التي تنكمش وتتراجع شيئًا فشيئًا أمام امتداد (المادة) .
ولأن الإسلام هو الدين الخاتم، ولأن أحكامه تغطي كل ميادين الحياة، كانت المرونة صفة لازمة تضاف إلى التكامل والأخلاق الذي تحدثنا عنهما، و (الاجتهاد) تعبير اصطلاحي على هذه السعة والمرونة، والقاعدة الأصولية: (الأصل في الأشياء الإباحة) ، قاعدة معتبرة داخل إطار (الاجتهاد) ، وإذا كان الاجتهاد مطلوبًا فالتقليد، لاسيما التقليد القائم على الجهل والغفلة والعصبية، مذموم [1] .
وهامش المرونة الذي نتحدث عنه هامش رباني لم نختلقه نتيجة الضرورة أو الحاجة، ولم نفتعله هروبًا من قيود الشريعة وإنما هو الرحمة الربانية التي أرادت النصوص مقررة للقواعد الكلية بما يترك المجال للفقهاء أولي العلم لاستنباط الأحكام التفصيلية بحسب الابتلاءات المتعلقة بالزمان والمكان [2] .
ولا ننسى في السياق نفسه، تأكيد الإسلام على ولاية الأمة، وعلى سيادة الشريعة، وعلى التداول السلمي للسلطة، وعلى النهي عن القيصرية والكسروية في نظام الحكم [3] .
والكلام على (الاجتهاد) وعلى (المصلحة) يدفعنا للتأكيد على (الضوابط) التي ترشد (المجتهد) وتقيد حدود (المصلحة) ضمن الإطار الشرعي، مشيرين في ذلك إلى حديث (معاذ بن جبل) -، والقواعد التي أرستها أجوبته على أسئلة رسول الله - فيما يعرض له من قضاء [4] .
والحاجة ملحة لتأصيل البحث العلمي في مسألة الضوابط الشرعية، والمتوفر منها بداية طيبة، ولكنه لا يكفي في موضوع التأصيل والتكييف الشرعي لكثير من ابتلاءات العصر، وندعو أهل العلم إلى التعمق والتوسع في دراسة هذا الميدان والعمل على تبسيط لغة كتبهم وأبحاثهم ليتيسر نشرها بين عامة الناس، فإن آفة الجهل على رأس مقاتل الإسلاميين.
ليس بين الله وأحد من خلقه نسب، كالذي يعرفه الناس فيما بينهم، والناس، في التصور الإسلامي، عباد الله، وليسوا أبناؤه ومثلاؤه كما في التصورات الأخرى، وإعلان الإسلام مجردًا عن الالتزام والتطبيق لا يعني شيئًا، وإنما الذي يعني هو ارتباط القول بالعمل، والاستمرار على طريق الالتزام، لأن الأعمال بخواتيمها، فقد روي عن سهل بن سعد الساعدي؛ قال: نظر النبي -
(1) فصّل الإمام ابن تيمية في فتاويه ما بين التقليد المحمود والتقليد المذموم، فارجع إليها في مجموع الفتاوى: ص 19/ 141 و 28/ 214 - 215.
(2) عبد الرحمن خليفة، في علم السياسة الإسلامي، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1990 م، ص 11. نقلا عن: عبد الحميد متولي، مبادئ نظام الحكم في الإسلام، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1975 م وعبد الوهاب خلاف، مصادر التشريع الإسلامي مرنة، القاهرة، مجلة القانون والاقتصاد، إبريل ومايو، 1945 م، ص 254.
(3) لما أراد معاوية أخذ البيعة لابنه يزيد كان عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - حاضرًا، فقال:"أهرقلية! كلما مات قيصر كان قيصرًا مكانه؟ لا نفعل والله أبدًا". فبعث إليه معاوية بمئة ألف درهم، فردّها وخرج إلى مكة، فمات فيها قبل أن تتم البيعة ليزيد (53 هـ) . له في كتب الحديث 8 أحاديث. [الزركلي 3/ 311] .
(4) بعثه رسول الله - إلى اليمن، فقال له:"كيف تصنع إن عرض لك قضاءٌ"؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال:"فإن لم يكن في كتاب الله"؟ قال: فبسنة رسول الله -. قال:"فإن لم يكن في سنة رسول الله"؟ قال: أجتهد رأيي، لا آلو. قال: فضرب رسول الله - صدري، ثم قال:"الحمد لله الذي وفّق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله"، رواه أحمد، مسند الأنصار، حديث 21000.