الصفحة 28 من 40

والنقد الإيجابي يحيي روح المساءلة داخل مؤسسات الأنظمة والتنظيمات، ويعيد روح الحوار، وينمي روح المراقبة، ويقف بالمرصاد لنفسية الاتباع والانصياع والتغاضي، ويصحح منهجية التبرير التي تنطلق من منطلقات حسن النية، والحرص على الصورة خارج الصف، ثم تنتهي بموقف مزدوج يكيل بمكيالين، يبرر للجانب الذي ننتمي إليه ونحبه، ونجرّم الجانب الآخر بعيدًا عن الموضوعية التي نبرر تضييعها بحفظ ما هو أهم وأفضل، وهل أهم وأفضل من حسن الظن بإخواننا؟ وكأن كلمة التقويم الهادف، أو النصيحة المسددة تعني سوء ظن! إنما سوء الظن أن نؤمن بعصمة من لم يعصمه الشرع، و"كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون" [1] 9.

يحتاج تأهيل العاملين في السياسة إلى مراكز للتدريب، والتدريب يعني اختصار الوقت والجهد والمال والانطلاق من حيث انتهى الآخرون، لأنه يغرف من تراكم الخبرات، ويزيد فوقها خبرات جديدة. ومن المؤسف أن البعض ما زال يرى (التدريب) مسألة ثانوية ولا يصنّفه ضمن سلّم الأولويات، وكثيرا ما يردد باستهزاء (بعدما شاب دخل الكتّاب) ، لأنه لا يؤمن في حقيقة الأمر بتنمية المهارات ويظن أن القابليات تولد مع الإنسان كبيرة، وهذا خلاف الحقيقة، إن قادة الدول المتحكمة في عالم اليوم يخضعون لنظام صارم من التدريب والتأهيل لا يقف في وجهه كونهم على رؤوس دول فاعلة على الساحة الدولية، ويدخل التدريب إلى أخص خصوصياتهم، ككيفية المشي والأكل وإظهار الانفعال وإجابة الأسئلة المحرجة وغيرها من الأمور التي قد نراها شخصية جدًا.

ويحتاج العمل السياسي المعاصر إلى مراكز معلومات، وليس من الضرورة في شيء أن تكون هذه المراكز تابعة للحكومة أو التنظيمات، بل من الأنسب أن تقوم بالعمل مؤسسات خاصّة تلبي متطلباته المهنية والتقنية، وتوفّر المعلومات لطالبيها مقابل رسوم مالية، والغرب يعتمد على عشرات المؤسسات التي تقوم بتجهيز الدراسات والمعلومات، بالإضافة إلى ما توفره شبكة (الانترنيت) العالمية من ملايين الملفات المعلوماتية في شتى ميادين المعرفة البشرية، وهي أنموذج لما وصلت إليه الدول الغربية من اعتماد المعرفة الموثقة بديلًا عن الارتجال الذي نرى فيه قوّة الفرد (القائد) .

ويحتاج العمل السياسي المعاصر إلى مراكز دراسات وإحصاءات، ترفده بالحقائق التي يحتاجها لتقويم الواقع والتخطيط للمستقبل، وتحديد الثغرات ووضع الحلول، وقد أصبحت لغة الأرقام من مسلّمات العالم الغربي الذي نحّى بالعاطفة جانبًا ولم يعد يكتفي بعموميات الأشياء والمسائل .. وأصبح للتوثيق في نفس السامع والقارئ هناك ما ليس للكلام العام السابح في عالم المشاعر الجياشة وحدها.

ترفع الحكومات والحركات الإسلامية المعاصرة، كثيرًا من الشعارات السياسية البراقة دون أن تبيّن آليات تنفيذها، وتبلور برامج ترسيخها في عالم الواقع، ومن ذلك شعار (الإسلام هو الحل) و (الشورى هي الحل) و (الوحدة الإسلامية هي الحل) و (الكتاب والسنّة هما الحل) وغيرها، ولو سألت سائل عن مفردات هذا الحل الذي يرفع شعاره لما أمكنه شرح الأمر بكلمات مختصرات ولا مسهبات، ويهون الأمر عندما تكون المسألة متعلقة بتنفيذ خطوات مستقبلية تحتاج إلى مزيد من

(1) الترمذي: صفة القيامة، رقم 2423. ومثله في ابن ماجة: الزهد، رقم 4241. وأحمد: باقي مسند المكثرين، رقم 12576. والدارمي: الرقاق، رقم 2611.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت