الصفحة 30 من 40

وفي حقيقة الأمر يوجد تياران طاغيان يتقاسمان الساحة الإسلامية، تيار يرى في التجربة التاريخية، فقهية كانت أو حضارية، نموذجًا مقدسًا لا يصح التفريط به ولا تجاوزه، ويدعو هذا التيار إلى تمثّل الماضي بكل ما فيه، وفي جميع الميادين، ويطيب لهذا التيار أن يفهم (السلفية) داخل إطار الالتزام الحرفي، وبعض أفراده يغرقون إلى درجة تشعرك بأنهم يهربون من الواقع ليعيشوا في الماضي دون إجهاد النفس في مواجهة التحديات والإشكالات المعاصرة والخروج على الناس بحلول عصرية ضمن منهج السلف.

بالرغم من كثرة خريجي المعاهد والكليات الشرعية، فإن الدور الذي يلعبه هؤلاء الخريجون يكاد يكون محصورًا في إطار ضيق من أعمال المساجد كإمامة الصلوات الراتبة، أو القضاء الشرعي، وبعض دوائر الإفتاء، والتدريس الديني، وتبقى هذه الأعمال - في الأغلب الأعم - داخل إطار من الروتين والتقليدية البعيدة عن روح التوثب والإبداع والتحديث [1] .

وتكاد قلة نادرة من هؤلاء الخريجين تعمل على تطوير أنفسها بالإطلاع على أحداث العصر ومستجداته، وعلى تطوير ثقافتها الشخصية، ولذلك أسباب كثيرة، على رأسها مناهج التدريس التي تتلقاها في المعاهد والكليات، ففي الوقت الذي يعيش فيه الطالب الشرعي صور الماضي المشرقة تتحول حياته خلال فترة التلقي وما يعقبها من العمل الوظيفي إلى ما يشبه الجحيم لغياب منهجية تربوية صحيحة من جهة، ولحالة العوز والقلّة من جهة أخرى، والمناهج تُغفِل مواضيع أساسية في تكوين شخصية الداعية المعاصر [2] .

إن شخصية خريج المعاهد الدينية قد لا تتطابق مطلقًا مع ما يتوقعه المسلم العادي منه، بل قد يراه على الطرف النقيض للصورة التي رسمها لقائده الديني، وهو هنا الشيخ المعمم المطلوب منه أن يكون ذا علاقات طيبة مع أبناء الحي، وخطيبًا مفوهًا يحمل الكلمة الواعية، ومدرسًا ناجحًا يستطيع التعامل مع الطلبة والطالبات في مختلف مراحل التعليم، فيبسّط لهم المادة، وييسر لهم فهم الفقه والتفسير وحفظ القرآن والحديث، والتمثّل بالسيرة النبوية، والأخلاق الإسلامية.

إن المناهج التربوية في المدارس والمعاهد والكليات الدينية المعاصرة تكاد تسحق شخصية الطالب وتقتل فيه الطموح الذي ينبغي توفيره في الداعية الرسالي الذي يحمل في عقله وقلبه علم رسول الله -، وهل يستطيع الذي حيل بينه وبين فهم الواقع والاطلاع عليه أن يساهم في تحريك عجلة الحياة الصدئة، وإخراج المجتمع الإسلامي من جموده؟ وهل يملك من يعيش همّ الوظيفة أن ينفخ في الشباب روح التوثب والبذل والتضحية الحية كما هو المتوقع والمطلوب؟

إن إبعاد هذه الشريحة من مثقفي الأمة عن مصادر المعرفة المفتوحة، وإدخالهم في دوامة السعي على لقمة العيش تحرم المجتمعات الإسلامية من طاقات شابة، وتضخ في جسم الأمة مزيدًا من العاطلين عن العمل ولكن تحت مسمى (رجل دين) ، إن أمتنا بحاجة لتأهيل (الفقيه العالم) وليست في حاجة (لرجل دين) لأن الإسلام نفسه لا يقر بالكهنوت، ولا يعرف الفصل ما بين الدنيا والآخرة ولا الدين والدنيا.

(1) في مصر وحدها 40 ألف شيخ وإمام مسجد، نشرت مجلة (المجلة) اللندنية تحقيقًا عنهم تحت عنوان: (مصر: حرب بين الحكومة والجماعات للسيطرة على الدعاة والمساجد) ، العدد 779، تاريخ 15/ 1/1995.

(2) أثارت مقترحات وبرامج تطوير الأزهر الشريف جدلًا في مصر، ماضيًا وحاضرًا، انظر: مجلة (الوسط) اللندنية، العدد 236، تاريخ 5/ 8/96 م. ومجلة (المجلة) اللندنية العدد 958، تاريخ 21/ 6/98 م. و (الأمان) اللبنانية، العدد 309، تاريخ 12/ 6/98 م، ص 6. والعدد 310، 19/ 6/98 م، ص 11. وأوسعها ملف (المجتمع) الكويتية، العدد 1305، تاريخ 23/ 6/98 م، تحت عنوان (الأزهر .. تدمير لا تطوير) ص 20 - 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت