القواعد والأصول، و (السنّة) تبين التطبيق العملي، الأمر الذي أوضحته أم المؤمنين عائشة - بقولها في وصف النبي:"كان خُلُقُه القرآن" [1] .
والدعوة إلى الكتاب والسنة تعني الالتزام بقواعدهما وعدم الاقتصار على النص الحرفي، ذلك لأن نوازل الناس كثيرة غير محدودة، والنصوص الواردة محدودة معدودة، وفي ذلك يستشهد علماء الأصول بحديث معاذ؛ حين بعثه رسول الله - إلى اليمن، فقال له:"كيف تصنع إن عرض لك قضاءٌ؟"قال: أقضي بما في كتاب الله. قال:"فإن لم يكن في كتاب الله"؟ قال: فبسنة رسول الله. قال:"فإن لم يكن في سنة رسول الله"؟ قال: أجتهد رأيي، لا آلو. قال: فضرب رسول الله - صدري، ثم قال:"الحمد لله الذي وفّق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله" [2] .
ومن هنا كان على علماء الحركات الإسلامية المشتغلين بالسياسة، العمل على استخلاص النظرية الإسلامية، وتقعيد الأحكام. واستخلاص الضوابط من آيات القرآن الكريم، والنظر في صور التطبيق في السنّة النبوية الشريفة، قطعًا للالتباس الذي يحدث عندما نحاول تطبيق قواعد السياسة الغربية على أحكام سياستنا الشرعية.
وحصر وتنسيق وترتيب الآثار الواردة عن السلف، ابتداء مندولة الرسول في المدينة وحتى نهايات الدولة العثمانية، يؤدي إلى بلورة الفكر السياسي الإجتماعي كما يتجلى من خلال تطبيقات السنّة وفهم الصحابة والتابعين وتابعيهم لمعالجة النوازل وتطبيق الأحكام وفق ما عرفوه في القرآن الكريم والحديث الشريف.
يلخص قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال/24] تلخيصًا لا لبس فيه مهمة الإسلام في حياة الإنسان وإحيائها، وهذا لا يتأتّى إلا بالاهتمام بمصالح الإنسان الروحية والمادية، الدنيوية والأخروية، الأمر الذي يظهر جليًا في نصوص الإسلام وممارساته، وفي إجماع المسلمين على أن الإسلام يجمع خيري الدنيا والآخرة.
وإجماع المسلمين، وغيرهم من أهل النظر والإنصاف [3] ، أن الإسلام كلٌّ متكامل في عقيدته وعبادته وتشريعه وأخلاقه وتربيته ومسيرته التاريخية، يقول المولى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يُردُّون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة/85] ، فلا يصح تجزئة أحكام الإسلام، والتعامل معها بانتقائية شخصية أو مكانية أو زمانية، وكأن شيئا منها مهم والآخر لا أهمية لها.
وهو عين ما يرمي إليه الحديث النبوي الشريف:"ليُنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضًا الحكم، وآخرهن الصلاة" [4] ، إذ يشير إلى ضرورة وتلازم التكامل الإسلامي.
وتطبيق الإسلام بحسب (المزاج) وبحسب (الكيف) أو اجتزاؤه بما يحقق أهداف الفرد أو السلطة، له نتائج خطيرة، لا نحتاج فيها إلى كثير شرح، لأن واقع العالم الإسلامي كاف في ميدان الدلالة والإيضاح، ابتداء من انهيار نظام الخلافة، مرورًا بفترة الوقوع تحت نير الاستعباد الغربي المعروف بالاستعمار، ثم واقع التجزئة والعوَز واليد السفلى التي تستجدي المعرفة والتصنيع
(1) الإمام أحمد، باقي مسند الأنصار، حديث 23460.
(2) الإمام أحمد، مسند الأنصار، حديث 21000.
(3) "الدكتور شاخت يرى الإسلام نظامًا كاملًا يشمل الدين والدولة معًا"[ينقل ذلك عبد الرحمن خليفة، في علم السياسة الإسلامي، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1990 م، ص 54، عن
(4) مسند أحمد، باقي مسند الأنصار، حديث 21139.