لا تجدي العاطفة وحدها إن لم تكن ضمن سياق وبرنامج يوظفها لمصلحة المشروع الكبير المصيري الذي تتحرك به الأمة، والعواطف لا تكسو عريانًا ولا تطعم جائعًا ولا تؤمن الدواء لمريض، والإسلام ميز ما بين العاطفة الصادقة المرتبطة بالفقه والعلم والتنفيذ، بين الحميّة التي تدفع صاحبها باتجاه عمل ما يختلف ظاهره عن مقصد صاحبه.
إن اندفاعنا باتجاه الإسلام وحرصنا عليه يتحوّل أحيانًا إلى مدخل لكل مدّع لا يرانا محصّنين بآليات الوعي، فبعضهم يرى فينا جمهورًا واسعًا يؤيد طموحاته السياسية، وبعضهم يرانا سوقًا استهلاكية لمنتوجاته، وآخر يرى في جيوبنا خزينًا كافيا لتمويل مشاريعه، فكم من قصص عن شركات توظيف الأموال التي ادعت العمل بمقتضى أحكام الشريعة الإسلامية، وبات الناس على الحلم وأفاقوا على ضياع شقاء العمر؟ وكم من زعيم بحت حناجرنا في الهتاف له كان ضياع البلاد وتبديد آمالنا نتيجة لسياساته الرعناء المرتجلة؟
ويواكب هذه العاطفة الجياشة المغرقة في الحلم (مثالية) محلّقة عاليًا بعيدة كل البعد عن عالم الواقع، والرؤى المثالية لا نصيب لها من التطبيق، بل هي تجعل الهدف بعيدًا جدًا عن متناول الأيدي، وما رسمناه في عقولنا عن الإسلام وتطبيقاته، لم يتحقق بسبب المثالية، فنحن لا نريد التدرج، ولا نتبع المرحلية، ولا نعمل على درب التمهيد، وننسى في خضم الحماس أن النبي - انتهج المرحلية والتدرج في دعوته وفي بناء دولته، وأن الانتقال المفاجئ غير الممهد من مرحلة فكرية وسياسية معينة إلى مرحلة أخرى نقيضة يأتي بنتائج عكسية في أغلب الأحيان، تمامًا كما في عالم الصحة، وغيرها.
ومن مظاهر العاطفة الجياشة في حركة مسلمي اليوم هذا الكم الكبير من الكلام الوعظي الخطابي الذي يتحرك في إطار المشاعر، ويهدف إلى استثارة النخوة، وتحريك الحمية، واستعادة كل الصور التاريخية التي تملأنا فخارًا، دون أن يكون للبناء الفكري الهادف نصيب مماثل في خطابنا هذا.
إن العاطفة التي تغلّف عقولنا وتسكن قلوبنا لا تكتفي قط بالإثارة الذي تحدثنا عنها، وإنما تعطل منهجية التحليل المنطقي، ليصبح كل شيء نقوم به بدون تخطيط (قضاء وقدرًا) -في نظرنا- وليصبح كل ابتلاء نزل بسبب منّا (تمحيصًا وامتحانًا إلهيًا) ، ونعني بذلك إنه (ليس بالإمكان أفضل مما كان) ، ولنبتعد في خضم ذلك ولججه عن رؤية واضحة ترى بعيون مفتوحة ما يجري في الواقع مما يتبع سنن الله تعالى في خلقه، وتتحول قراءتنا للأحداث عن مسار الرؤية الواضحة - بسبب ضبابية العاطفة الطاغية - إلى الهاوية ونحن لا ندري، ولنقرأ هذا النموذج عن احتلال العراق للكويت وتداعياته:
"لم ألتقِ بشخص واحد بعد غزو الكويت قبل الهجوم البري من الشباب الإسلامي - مهما كان مستواه الفكري - يعتقد بأن الحرب قادمة. وقد التقيت بأكثر من ألف شاب إسلامي ومفكر إسلامي طوال الستة شهور السابقة للحرب. بل الأغرب من ذلك أن كثيرًا من آراء الشباب الإسلامي كانوا يرون أن أمريكا ترتعد خوفًا من صدام حسين ومن جيشه وأنها لن تجرؤ على خوض القتال، لأنها تعرف إنها ستهزم لا محالة! وقال أحد الشباب بالحرف الواحد: هل تتصور أن الجنود الأمريكيين المدللين الجبناء يصلحون للقتال أمام جيش صدام حسين الذي حارب ثماني سنوات؟) [1] "
تكاد شعارات الحركات الإسلامية جميعًا، مع استثناءات نادرة، تجمع على أن هدفها الرئيس الوصول إلى السلطة، لأنها تؤمن بأن الحاكمية لله سبحانه، لا لسواه، وترفع شعار (إن الحكم إلا
(1) عصام دراز، لماذا اختلفنا؟ الإسلاميون وحرب الخليج، القاهرة، المنار الجديد، ط 2، 1411 هـ/ 1991 م، ص 60.