الصفحة 4 من 40

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد.

فلم يعد الشأن السياسي أمرًا مقصورًا على فريق واحد من الناس بعدما أطلقت أحداث العصر رياح المعاناة في كل اتجاه، وسيست كل كائن حي ذي نفس في العالم الإسلامي، الذي أطلق عليه مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبغنيو برجنسكي Zbiginew Brizenski، هلال الأزمات Crescent of Crisis، الذي أصبح علمًا على دولنا الغنية بالنفط وبالمتمردين على النظام العالمي الجديد [1] ، وقد أحيا بشعاره هذا وصف القرن السابع عشر الميلادي للعالم الإسلامي بأنه"الفزع الأكبر للعالم" [2] .

ومن الواضح أن القضية الفلسطينية لم تعد وحدها تحتكر هموم المسلم المعاصر وقد فاضت أقطار أخرى بدماء وأشلاء ومآسٍ صبت جميعها في مربع الاستنزاف المستديم الذي يستهلك طاقات الأمة ومستقبلها.

وبالرغم من الصحوة الإسلامية التي نرى مظاهرها في جميع أرجاء العالم الإسلامي ودول الانتشار، إلا أن ميادين العمران البشري؛ كالسياسة والاقتصاد والاجتماع؛ بقيت بعيدة عن التخصص العلمي المطلوب، فلا الكليات والمعاهد الشرعية الحكومية والخاصة، ولا المؤسسات الدعوية الإسلامية على اختلاف مشاربها، أولت هذه الميادين اهتمامها كما فعلت في ميدان الفكر العام والفقه التفصيلي.

ولا أنتقص هنا من جهود العاملين في ميدان السياسة أو العمل العام، وبعضهم وصل إلى سدة الحكم، ولكنني أرى أن الممارسة العملية لم يواكبها حركة اجتهادية تنظّر وتقنّن من داخل الفقه الإسلامي وليس من خارجه، فأغلب كتّاب السياسة والاقتصاد والاجتماع من الإسلاميين مقلّدون غير مجتهدين، متأثرون بالفكر السياسي السائد وبالفكر الاقتصادي السائد وبالفكر الاجتماعي السائد، وكتاباتهم الإسلامية في هذه الميادين -على الأغلب- محاولة توفيق وتقريب ما بين التجربة الغربية والفقه الإسلامي، بل هم فريقان، فريق يغلب قاعدة"عموم البلوى"فيستسيغ نتائج التجربة الغربية المعاصرة، وفريق منصرف عن العصر يغلّب قاعدة"لا تراءى ناراهما" [3] .

فلا عجب أن نجد المسيرة السياسية الإسلامية متعثرة، لا لوجود عقبات خارجية فقط، بل لغياب منهج واضح في السياسة وممارستها من حيث هي علم وضرورة، وفي إيجاد نموذج تطبيقي واقعي ملموس يرى الناس فيه بأم العين ماهية السياسة الإسلامية ومفرداتها في الحياة اليومية.

لقد نجح الإسلاميون، حكوميين وأشباه حكوميين ومستقلين، في ترسيخ شمولية الإسلام للدين والدنيا، وفي أن السياسة جزء لا يتجزأ من حياة المسلم، ونجح الإسلاميون في خوض معارك سياسية من مواقع مختلفة، بعضها مواقع حكم وسلطان، ونجحوا في أن يكون السؤال عن الإسلام والمسلمين حاضرًا في حركة العصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكنه نجاح ردة الفعل

(2) أطلق المؤرخ الإنكليزي ريشارد نولز Richard Knolles (ت 1603 م) هذه الصفة على الدولة العثمانية الي نظر إيها ممثلًا وقائدًا لجميع مسلمي العالم في كتابه The General History of the Turks. وكان الغربي يطلق على أي مسلم لقب تركي، وعلى الدين الإسلامي: دين الأتراك، سواء كان المسلم عربيًا أو أفريقيًا أو أوروبًا، من شرق المتوسط أو من غربه.

(3) جزء من حديث أخرجه أبو داود في سننه، الحديث رقم 2645، والترمذي في جامعه، الحديث رقم 1604. وروى الطبراني عن قيس بن أبي حازم عن خالد بن الوليد أن رسول الله - بعث خالد بن الوليد إلى ناس من خثعم فاعتصموا بالسجود فقتلهم فوداهم رسول الله - بنصف الدية ثم قال:"أنا بريء من كل مسلم أقام مع المشركين لا تراءى ناراهما".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت