الصفحة 6 من 40

يُوصف الإنسان المعاصر"بأنه إنسان سياسي" [1] ، ورأى العلامة ابن خلدون (ت 808 هـ) (المُلْك) و (السياسة) ظاهرة إنسانية [2] ، وأنها ضرورة لا انفكاك عنها [3] ، ورجّح خيرها على شرها [4] ، وربط بينها وبين الحضارة [5] لأن الدولة لا تتصور دون عمران، ولأن العمران متعذر دون الدولة والملك [6] .

وابن خلدون يعني بالسياسة:"قابلية كل إنسان لأن يكون رئيسًا ومرؤوسًا، ولأن يكون حاكمًا ومحكومًا، ولأن يكون قائدًا ومنقادًا، بحيث لا يميز في هذا المجال بين إنسان وآخر بقدرته المادية، أي بنسبه، أو ثروته، أو سلاحه، أو طبقته، أو طائفته، بل بطاقته الروحية، أي بأهليته لأن يكون أكفأ من سواه لتحمل المسؤولية الرئاسية" [7] .

ويرفع شيخ الإسلام ابن تيمية (أحمد بن عبد الحليم، ت 728 هـ) ممارسة السياسة بمعناها السلطوي إلى درجة (الأمانة) التي يحرم إغفالها أو التفريط بها، تأسيسًا على قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعمّا يعظكم به، إن الله كان سميعًا بصيرًا} [النساء/58] [8] .

وبالرغم مما تقدم ما زال المسلمون وغيرهم يسألون: هل المعرفة السياسية، وهل الوعي السياسي، ضمن التصور الإسلامي، أمر ميسور، وواضح لدي العامة والخاصة، وهل تشكل هذه المعرفة وهذا الوعي الأولوية في خضم أزماتنا المتراكمة؟

أسئلة يسهل طرحها، وتصعب الإجابة عليها.

فللأسف؛ هناك شح في المصادر السياسية التي تتحدث عن (السياسة الإسلامية) من حيث هي نظرية بحتة [9] ، أو عن (التحليل السياسي في التصور الإسلامي) من حيث هو فن قائم بذاته له أصوله وقواعده، وليس وليد النشاط الشخصي، أو المواصفات الذاتية للأفراد، أو تطبيقًا لمناهج الغربيين في نظرتهم للسياسة ومؤسساتها وسبل ممارستها، مع إدراكنا إمكانية نجاح الأفراد في ميدان (الممارسة السياسية) أو (ممارسة العمل العام) .

وجل ما يتوفر لدينا من تراث السلف؛ في هذا الخصوص؛ دراسات تتعلق (بالأحكام السلطانية) ، وهي الأحكام الفقهية المتعلقة بالإمارة والوزارة والبيعة والولاء والبراء والحسبة والقضاء، وكل مظهر من مظاهر السلطة والولاية، وقد جاء أغلبها توصيفًا لما قامت عليه الدولة العباسية، وبعض آلياتها مقتبس من النظام الفارسي [10] ، وعاد بعضها بالتأصيل إلى فترة السقيفة واستخلاف أبي بكر - وكان أغلب ما كتب سردًا للمراحل التاريخية التي مرّت بها دولة الإسلام

(1) د. محمد علي محمد ود. علي عبد المعطي محمد، السياسة بين النظرية والتطبيق، بيروت، دار النهضة العربية، 1405 هـ/ 1985 م، ص 11 - 12.

(2) ابن خلدون، المقدمة، تحقيق: درويش الجويدي، صيدا-بيروت، المطبعة العصرية، ط 2، 1416 هـ/1996 م، ص 138.

(3) مقدمة ابن خلدون، العصرية، ص 277 - 278.

(4) مقدمة ابن خلدون، العصرية، ص 133.

(5) سماها: العمران البشري.

(6) مقدمة ابن خلدون، العصرية، ص 349.

(7) د. حسن صعب، علم السياسة، بيروت، دار العلم للملايين، ط 8، 1985 م، ص 18.

(8) ابن تيمية، السياسة الشرعية، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1، 1409 هـ/ 1988 م، ص 8.

(9) نستخدم مصطلح (نظرية) هنا بمعنى القواعد التي تقعّد للمنهج العملي، ولا نعني بحال من الأحوال أن ما طرحه الإسلام مجرد (فكرة) أو (نظرية) عابرة تحتمل التصديق والتكذيب وتخضع للتجربة البشرية بعيدًا عن صوابية نصوص الوحي وصدقها وثباتها، إنما فهم الناس لقواعد الإسلام وكيفية تطبيق أحكامه هي محك المحاكمة، ومحك الاجتهاد المعرّض بدوره للخطأ والصواب.

(10) انظر: د. أحمد البغدادي، الفكر السياسي عند أبي الحسن الماوردي، الكويت، مؤسسة الشراع، ط 1، 1984 م، ص 7 - 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت