هي الذروة التي تتوج البنيان الاجتماعي الحديث، وتكمن طبيعتها التي تتفرد بها في سيادتها على جميع أشكال التجمعات الاجتماعية الأخرى" [1] ."
ولذلك نرى أن الاقتصار على مجرد قراءة الإجراءات السياسية في تاريخنا الإسلامي لم يؤدِ بالدارسين إلى تحديد دقيق وتفصيلي للقواعد التي اعتمدت عليها تصرفات رجال الحكم وإجراءاتهم، ولما أرادوا مقارنة نتائج أبحاثهم بما وصلت إليه الأنظمة الديمقراطية الغربية ومؤسساتها فشلوا في رؤية مؤسسات وقواعد شبيهة في النماذج التاريخية الإسلامية، مما أوقع الحركات الإسلامية المعاصرة -بالرغم من كثرتها وتنوعها- في قضايا التعميم الذي نتحرك فيه بشكل يشبه مسالك المتاهة، كلما حسبت أنك وصلت إلى نهايتها اكتشفت عودتك إلى نقطة بدايتها.
تقدم أن جماعة من المستشرقين الغربيين وبعض المتتلمذين عليهم نفوا عن الإسلام صفة (السياسية) وقالوا بأن السياسة ليست جزءًا من الإسلام نفسه ولا من أصوله، ولكنهم أقروا بممارسة المسلمين للسياسة وإنشائهم للدولة، ورأوا ذلك نتيجة الحاجة الإنسانية العامة للتنظيم والإدارة وقيادة المجتمع، وبذلك لم يروا اختلافًا بين الإنسان المسلم وغيره من الناس، فهو اضطر إلى ممارسة السياسة نزولًا عند سنن الاجتماع البشري كما فعل غيره.
فهل انطلق المسلم في ممارسته للعمل السياسي وإقامته للكيان السياسي (الدولة) من أصول الإسلام وبناء على توجيهه، أم كان ذلك مجرد حاجة اجتماعية فطرية، سعى إلى تنفيذها وقلّد فيها غيره؟
ولربما زاد في الإشكال فهم كل فريق لقول عمر:"لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة" [2] ، فكثير من الجماعات الإسلامية السياسية المعاصرة أقامت هيكليتها التنظيمية وقطاعاتها الإدارية، وشيئًا كثيرًا من مفردات فهمها وتحليلها وممارستها للعمل السياسي من خلال محاكاة الآخرين، وليس من منطلق فكري إسلامي مستقل، ولعبت العولمة دورًا مؤثرًا كبيرًا في قبول هذه الظاهرة، أعني ظاهرة المحاكاة والتقليد، وقد اتهم د. أحمد البغدادي، الإمام (الماوردي) باقتباس آرائه ونظمه في كتابه (الأحكام السلطانية) من النظام السياسي الفارسي [3] ! وأجاب وليد نويهض في مقدمته [4] إجابات خاطفة لم تلغِ الإشكالية ولم تجب على السؤال جوابًا شافيًا، وطرح جبران شامية [5] إجابة أكثر ضبابية حيث تعرض لأشكال الحكم الإسلامي دون التعرض للنظرية نفسها.
والتحقيق في المسألة يستوجب العودة إلى نصوص (الكتاب) و (السنّة) وهما المصدر الرئيس للشريعة الإسلامية، وبالتالي للأحكام والقواعد الإسلامية السياسية والاجتماعية والإدارية وغيرها على حد سواء.
ونعني (بالكتاب) القرآن الكريم، ونعني (بالسنّة) أقوال وأفعال وتقريرات النبي - وإجازاته لأصحابه -. ويعنينا في هذا البحث كل ما له علاقة مباشرة بالسياسة والإدارة السياسية، مما يطلق عليه الفقهاء مصطلح (الولايات الدينية) كالإمارة والقضاء والحسبة، إلخ .. و (الكتاب) يبيّن
(1) هارولد لاسكي، ترجمة: عزالدين محمد حسين، مدخل إلى علم السياسة، القاهرة، مؤسسة سجل العرب، 1965 م، ص 11 - 12.
(2) حسين بن محسن، الطريق إلى جماعة المسلمين، الكويت، دار الدعوة، ط 2، 1406 هـ، ص 5.
(3) راجع: د. أحمد البغدادي، الفكر السياسي عند أبي الحسن الماوردي، الكويت، مؤسسة الشراع، ط 1، 1984 م، ص 7 - 10.
(4) انظر: مقدمة كتاب وليد نويهض، الإسلام والسياسة. نشوء الدولة في صدر الدعوة، بيروت، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، ط 1، 1994 م.
(5) جبران شامية، الإسلام هل يقدم للعالم نظرية للحكم، بيروت، دار الأبحاث والنشر، ط؟