الدراسات والأعمال التنفيذية، ولكن كيف يكون الأمر أمام شعار كبير يشكل أهم قاعدة من قواعد العمل السياسي الإسلامي كالشورى مثلًا؟
فالشورى في الحقيقة ليست قرارًا سياسيًا أو إداريًا يكفي اتخاذه ونشره في الجريدة الرسمية ليصبح واقعًا قائمًا، وهي ليست نظرية يكفي فيها الجانب التنظيري والوعظي لتصبح التزامًا صحيحًا لدى الأفراد والمؤسسات. إن الشورى روح تطبع الفرد وتطبع المجتمع المسلم، ونحتاج لتحقيقها منهجًا في التربية يبدأ مع الناشئ في بيته ومدرسته وجامعه ومؤسساته الاجتماعية، بحيث يصبح المعارض والمخالف للشورى كالشيء النابي المكشوف للآخرين المعوّق لحركة المجتمع المرفوض من أبنائه.
فهل (الشورى) على المستوى العملي مواكبة للتنظير الذي يدور حولها؟ وهل نملك في الفكر الإسلامي المعاصر تصورًا واضحًا عن تطبيقاتها؟ وهل نملك ضمانات كافية لاستمرارها؟
أسئلة كثيرة تدور في ذهن أي مهتم وحريص لأن النموذج الوحيد الذي نراه حتى الآن فاعلًا وضامنًا هو النظام الديمقراطي الغربي الذي تطور داخل المؤسسة السياسية إلى درجة أن أحدًا ما لا يتصوّر أن يقوم رئيس دولة أو رئيس وزراء منتخب في الغرب فيعلن الحرب على إحدى جاراته بناء على خصومة شخصية بينه وبين قيادة الدولة المعنية، ولو وقع ذلك لتم عزله ولربما أرسلوه إلى مصحٍّ نفسي ليتلقى العلاج المناسب.
إن ما ينبغي التفكير به، والتخطيط له وتنفيذه، هو كيف يمكننا إيجاد نموذج شوري عملي، وما هي الآليات الكفيلة باستمراره وعدم تقويضه بمجرد وصول حاكم مستبد يملك حرية التصرف والقفز فوق أحكام الشريعة وفوق سلطة القانون، وهو ما سماه النبي - (مُلكًا عاضًّا) و (مُلكًا جبرية) ؟ [1] وليس بعد الشورى إلا الاستبداد والجبرية، وهما سبب جملة آفاتنا خلال مسيرتنا الطويلة، وما نراه اليوم من المآزق يعود إلى جملة من الأسباب الموضوعية، وغياب الشورى على رأسها.
إن الاعتماد على التجربة التاريخية سلاح ذو حدين، فالتجربة التاريخية على غاية من الأهمية والضرورة لجهة الاعتبار وإثراء التجربة والاستفادة من التراكم الحضاري والانطلاق من حيث انتهى السابقون، وفي القرآن الكريم: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} [يوسف/111] ، وفي المقابل يشكل الاقتصار على التجربة التاريخية واتخاذها المثل الأعلى أو الشكل الأمثل الذي لا يصح تجاوزه، خطرًا لا تتوقف آثاره عند الحاضر وحده بل تتجاوزه إلى المستقبل لأنه يشكّل منهجية مستحكمة تتوارثها الأجيال وهي التي ذمها الله تعالى في قوله: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف/23] .
فكيف يتم التعامل مع التجربة التاريخية في الفكر الإسلامي المعاصر؟ هل تعتبر مجرد تجربة سابقة تضاف إلى علمنا وإلى خبراتنا؟ أم هي نموذج مقدّس كالنصّ الثابت لا يجوز تجاوزها أو الالتفاف حولها؟
(1) عن النعمان بن بشير؛ قال: كنّا قعودًا في المسجد مع رسول الله - وكان بشير رجلًا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخُشني فقال: يا بشير بن سعد؛ أتحفظ حديث رسول الله - في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خُطبته، فجلس أبو ثعلبة؛ فقال حذيفة: قال رسول الله:"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا، فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة"، ثم سكت. قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه فقلت له: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين - يعني عمر - بعد الملك العاضّ والجبرية. فأُدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسُرّ به وأعجبه. رواه أحمد: مسند الكوفيين، حديث 17680.