حتى وصلت إلى الصيغ المدونة في كتب (الأحكام السلطانية) و (السياسة الشرعية) التي نضجت في القرن الخامس الهجري.
وبسبب الاقتصار على سرد الأحكام الفقهية وتوصيف آليات السلطة التنفيذية في الإسلام، يفتقد علم السياسة لدى المسلمين -كما لدى غيرهم- إلى"التحديد الدقيق الذي يجب أن يتوافر للعلم بصفة عامة، سواء على مستوى المجال الذي يتحرك فيه، أو المصطلحات والمفاهيم المستخدمة في التحليل، وذلك برغم البساطة التي يبدو عليها لأول وهلة" [1] .
وتأكيدًا لهذه الضبابية العامة التي تلفّ علم السياسة تبدأ (موسوعة العلوم السياسية) بالجملة التالية:"يعرف كل امرئ عن السياسة، ولكن لا يفهمها أحد" [2] . وعن صعوبات البحث في الفكر السياسي تقول:"يواجه بعض الصعوبات، أهمها أن موضوعه يفتقر إلى التحديد والوضوح، وان تدريسه يواجه بالشك في جدواه، فارتباطه بالمشكلات العملية وقضايا التأهيل غير بيّن، وان منهجه ما زال يغلب عليه الطابع الوصفي أكثر من النقدي والتحليلي" [3] .
لم يكن اشتغال المسلمين في عصور حياتهم وازدهار دولتهم بأمور السياسة مقصورًا على المحليات، وإنما تعدوْها إلى أحداث العالم وانعكاسها على الساحة الإسلامية، وعلى واقع المسلمين ومستقبلهم، وهي قضية لا تحتاج الى استفاضة في الشرح والتعليق، وليست وليدة الأمس القريب، ولكنها عملية مستمرة عبر التاريخ، مارستها الجماعة المسلمة الأولى؛ منذ العهد المكي؛ قبل بناء الدولة الإسلامية يوم تابع النبي - ومعه الصحابة - تطورَ الصراع بين الفرس والروم، وقد خص القرآن الكريم مطلع سورة الروم شاهدًا على هذا الإهتمام وتلك المتابعة، في قوله تعالى: {ألم* غُلِبت الرومُ* في أدنى الأرضِ وهم من بعْدِ غَلَبِهم سيغْلِبُون* في بضع سنينَ للهِ الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ ويومئذٍ يفرحُ المؤمنون* بنصرِ اللهِ ينصرُ من يشاءُ وهو العزيزُ الرحيمُ* وعْدَ اللهِ لا يُخلفُ اللهُ وعدَه ولكنّ أكثرَ الناسِ لا يعلمونَ} [الروم/1 - 6] .
ولئن وجد في تاريخنا من دعا إلى الانغلاق عن العالم الخارجي، فهو استثناء لا سند له من النصوص، ولم تكن عليه ممارسة السلف، ولئن كان الاهتمام بالساحة الدولية وانعكاسها على واقع الأمة ومستقبلها مطلوبا في ذلك العصر المبكر فالاهتمام اليوم أكثر وجوبا لما عليه عالمنا من الانفتاح والترابط، ولما وصلت إليه المدنية من سبل الاتصال والتأثير، حتى أضحى هذا الترابط نسيجًا واحدًا يجعل الخلاص من المعادلات الدولية أمرًا مُحالًا، ونستطيع الجزم بأنه لا توجد بقعة في عالم اليوم لا تخضع لمعادلات الصراع الدولي، أو بمنأى عن التأثر به، بل من المعروف أن الصراع اليوم انطلق إلى الفضاء الخارجي بعدما تمكّن في الأرض وكواها من مخططاته وألاعيبه. وبذلك نرى التغافل عن هذه المعادلات والقوى المتحكمة فيها جهلٌ يأثم عليه المسلمون، لأنه يحول بينهم وبين تحقيق (الاستخلاف) الواجب عليهم بالشكل الملائم، فضلا عن ان حياتهم وكرامتهم تصير عرضة لطمع الأعداء المتربصين.
واقرأ إن شئت بتمعّن قول عالم فذّ بزّ أقرانه بما له من أفق واستشراف، يقول في تلازم السياسة والشريعة ما يلخص جملة أمور نسعى للوصول إليها، استمع إلى أبي حيان التوحيدي [4] يقول:"على أن الشريعة متى خلت من السياسة كانت ناقصة، والسياسة متى عريت من"
(1) د. محمد علي محمد ود. علي عبد المعطي محمد، السياسة بين النظرية والتطبيق، ص 13.
(2) جامعة الكويت، موسوعة العلوم السياسية، لمجموعة من الكتاب والباحثين، تحرير: محمد محمود ربيع وإسماعيل صبري مقلد، 1993/ 1994 م، ص 39.
(3) جامعة الكويت، موسوعة العلوم السياسية، ص 104.
(4) علي بن محمد، المتوفى نحو 400 هـ.