الشريعة، كانت ناقصة" [1] ، ويقول ابن قتيبة (عبد الله بن مسلم، ت 276 هـ) :"وليس الطريق إلى الله واحدًا، ولا كل الخير مجتمعًا في تهجد الليل، وسرْد الصيام، وعلم الحلال والحرام، بل الطرق إليه كثيرة، وأبواب الخير واسعة، وصلاح الدين بصلاح الزمان، وصلاح الزمان بصلاح السلطان، وصلاح السلطان؛ بعد توفيق الله؛ بالإرشاد وحسن التبصير" [2] ، لتدرك مكانة السياسة في التصوّر الإسلامي."
الدافع إلى هذا التساؤل أن النظرية تضبط الممارسة، وتشكل الأصول التي ترتكز عليها أعمال وأفكار العاملين في هذا النشاط الإنساني.
والسؤال نفسه قد يبدو ساذجًا لولا أن فريقًا من المستشرقين، وجماعةً من تلاميذهم، يطرحونه بقوة، فقد أنكر علي عبد الرازق، في كتابه: (الإسلام وأصول الحكم) أن يكون في الإسلام (سياسة) أو (دولة) ، فهو يرى في النبي:"رسولًا كإخوانه الخالين من الرسل، وما كان ملكًا ولا مؤسس دولة، ولا داعيًا إلى ملك" [3] ، ويذهب مذهبه كل من د. طه حسين في كتابيه: (الشعر الجاهلي) و (الفتنة الكبرى) . ود. حسين فوزي النجار، في كتابه: (الإسلام والسياسة) . والمستشار سعيد العشماوي في كتابه: (الإسلام السياسي) ، وخالد محمد خالد في كتابه: (من هنا نبدأ) [4] .
بينما يؤيد فيه جمهور العلماء والدعاة وقادة العمل التنظيمي الإسلامي قول القائل:"إن من يقول بفصل الدين عن السياسة، لا يفهم في الدين ولا يفهم في السياسة" [5] .
ولهذا وذاك يتساءل بصدق المتعلم وهمته: أين نجد هذا القدر من السياسة في التراث الإسلامي، تنظيرًا وتقعيدًا وتنفيذًا؟ وذلك لقناعته بأن الحكم أو الدولة ما هي إلا انعكاس وترجمة للفكر السياسي.
وفي الآثار المروية عن النبي - ما يدل على كون السياسة جزءًا لا يتجزأ من الشريعة الإسلامية، كرواية أبي أمامة الباهلي، عنه:"لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وكلما انتقضت عروة تثبت الناس بالتي تليها، وأولهن نقضًا الحكم، وآخرهن الصلاة" [6] .
ونقل عن الإمام الغزالي أن السياسة في الإسلام أصل من أشرف الأصول التي لا قوام للعالم إلا بها [7] ، وهذا الأصل الذي هو من أشرف الأصول لم يتم التعامل معه وبلورته كما ينبغي؛ ربما لاختلاف الزمان ومصطلحاته؛ مما أوقع المعاصرين في ربكة التعريف وتحديد القواعد الكلية التي توضح النظرية الفلسفية للسياسة في الإسلام،"وإذا كان السلف قد أخذوا على الغزّالي عدم كتابة ولو فصل واحد عن الجهاد - على سبيل المثال - في إطار حديثه عن الدولة والسياسة بصورة عامة في سفره الضخم (إحياء علوم الدين) رغم الحاجة الماسّة إليه، أسوة بما فعله ابن تيمية، فإننا اليوم بدورنا نأخذ عليهم تقصيرهم في عدم بلورة الفقه السياسي الإسلامي، وتنميته بنفس الجهد الذي أعطوه لأحكام العبادات والمعاملات" [8] .
(1) أبو حيان التوحيدي، نحو 400 هـ، الإمتاع والمؤانسة، تحقيق: أحمد أمين وأحمد الزين، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط 2، ص 2/ 33.
(2) ابن قتيبة، عيون الأخبار، بيروت، دار الكتاب العربي، ب. ت، المقدمة، ص (ي) .
(3) علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993؟، ص 64 - 65.
(4) ثم تراجع عن ذلك في كتابه (الدولة في الإسلام) .
(5) عبد الرحمن خليفة، في علم السياسة الإسلامي، الاسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1990 م، ص 53 - 54.
(6) مسند أحمد.
(7) عبد الرحمن خليفة، في علم السياسة الإسلامي، ص 50.
(8) عبد الرحمن خليفة، في علم السياسة الإسلامي، ص 45.