وكثيرًا من أساسيات العمران البشري بعدما كانت الأمة المسلمة مصدر إشعاع وابتكار وتعليم للآخرين.
أقام الإسلام - في معرض حرصه على الإنسان - الاجتهاد على ثوابت وأصول، تشكل الرواسي التي تعين المسلم على مواجهة التحديات دون الخروج عن (الصراط المستقيم) فالتجديد في الإسلام يعني"التجديد مع المحافظة على الأصول، والتجديد يعني التحرك الفكري، والمحافظة على الأصول تعني الصمود" [1] .
وقال أبو زيد الدبوسي الحنفي (عبيد الله بن عمر، ت 430 هـ) :"أصل التقليد باطل، لأن الله رد على الكفرة احتجاجهم باتباع الآباء من غير نظر واستدلال، والمقلد في حاصل أمره ملحق نفسه بالبهائم في اتباع الأولاد والأمهات في مناهجها بدون تمييز، وكان الناس في الصدر الأول - أعني الصحابة والتابعين والصالحين رضوان الله عليهم - يبنون أمرهم على الحجة، فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقوال من بعد رسول الله - مما يصح بالحجة" [2] .
"وفقهاؤنا الروّاد قد ميّزوا بين النصوص في حجيتها وقوتها في ذاتها وفي دلالتها وإلزامها من حيث تطبيقها، فهناك مراتب من حيث قطعية الورود والدلالة، ومراتب في الإلزام بالنسبة لما هو قطعي الورود والدلالة، وهل هو للإيجاب أو الندب، أو الإرشاد إذا كان أمرًا، وهل هو للتحريم أو الكراهة إذا كان نهيًا، وأوجبوا تقدير (الضرورة) والحاجة بالنسبة للمحظور، واستجاب فقهاء (للمصلحة المرسلة) المتغيرة واعتبروها في فقههم، واعتبر فقهاء آخرون (عموم البلوى) " [3] .
والتقصير الحاصل في ميدان الكتابات والممارسات السياسية الشرعية الحديثة، كعدم التعرض بالتفصيل لمفاهيم (الحقوق) و (الواجبات) في ميدان العمل السياسي؛ على وجه التحديد؛ يعود إلى تقصير المسلمين في ذلك وليس إلى الإسلام نفسه الذي يعتبر ابتكارًا غير مسبوق في عالمي التدين والتشريع، على حد سواء، ولئن كانت الحقوق والواجبات السياسية في العالم الغربي ظهرت بعد معاناة ودماء وأشلاء، وبقي تطبيقها مقصورًا على قوميات دون غيرها، فإنها في التصور الإسلامي حق طبيعي من حقوق العباد، مسلمين وغير مسلمين، وإنما يتم نصب الخليفة، وتولية الوالي، وتأمير الأمير، للحفاظ عليها وتنميتها، وأي تقصير في ذلك تفريط في حق الله وإساءة لدينه.
وتتحمل الحركة الإسلامية المعاصرة، قسطًا كبيرًا من المسؤولية، لأن منهاجها الثقافي"يتغيا إعادة الثقة في المسلم أكثر من تكوينه ثقافيًا وأيديولوجيًا، نجد ثمة تجاهلًا فيه لقضية الحقوق العامة والحريات العامة والتطور الدستوري والسلطوي، مقابل التركيز والاهتمام المكثف على بناء الروح وعالم الروح" [4] .
(1) د. طارق البشري، الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، مساهمة في: مجموعة من الكتاب، الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية، أوراق في النقد الذاتي، تحرير وتقديم: د. عبد الله فهد النفيسي، الكويت، يطلب من المحرر مباشرة، ط 1، 1410 هـ/ 1989 م، ص 151.
(2) الدبوسي الحنفي، عبيد الله بن عمر، ت 430 هـ، كتاب (تقويم الأدلة في أصول الفقه) ، مخطوط، نسخة مصوّرة عن دار الكتب المصرية تحت الرقم 255 بعنوان (تقويم الأدلة) أو (تقويم أصول الفقه وتحديد أصول الشرع) . ولقد أورد د. محمد أديب الصالح نصوصًا منه في كتابه (تفسير النصوص) .
(3) د. فتحي عثمان، الحركة الإسلامية: العنصر الدينامي الاجتهادي في أسسها الفكرية، مساهمة في: مجموعة من الكتاب، الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية، أوراق في النقد الذاتي، تحرير وتقديم: د. عبد الله فهد النفيسي، الكويت، يطلب من المحرر مباشرة، ط 1، 1410 هـ / 1989 م، ص 302.
(4) د. عبد الله النفيسي، الحركة الإسلامية ثغرات في الطريق، ط 1، 1992 م؟ يطلب من المؤلف، ص 59.