ونحتاج لتحقيق ذلك تحديدًا علميًا دقيقًا للتصور الإسلامي للسياسة"وبدون التحديد العلمي الموضوعي للمفاهيم لا يمكن بلورة النظرية الإسلامية المتكاملة التي نطالب بصوغها" [1] .
ولابد أن يبقى عملنا داخل إطار الإسلام نفسه"فالدين أشمل من النظرية .. ولكن بالإمكان استنباط النظرية التي نقصد من الدين" [2] .
ولقد أفلحت أمتنا في بلورة البعد الخيري؛ مثلًا؛ من خلال الأوقاف والمؤسسات الخيرية التطوعية، وأصّل فقهاؤنا وفصّلوا وقعّدوا للعمل الخيري، وتركوا ثروة فقهية كبيرة في ذلك، نراها مجموعةً ومتفرقةً في بطون كتب الفقه والحسبة"أما في البعد السياسي فلم توفق مثل التوفيق الذي حالفها في البعد الأول، وذلك نظرًا لغياب الرؤية السياسية الواضحة والدليل النظري الذي تسترشد به" [3] .
والذي يظهر لنا أن"الفكر السياسي كتراث جاء إما بصيغة فقهية للتجارب التاريخية المبكرة ككتاب (الأحكام السلطانية) للإمام الماوردي (ت 450 هـ) ، أو بصيغة الوعظ والإرشاد الموجه للملوك والسلاطين ككتاب (التبر المسبوك في نصيحة الملوك) للإمام الغزّالي (ت 505 هـ) ، إلا أن التطور السياسي في عالمنا المعاصر، وما يعكسه من سلب وإيجاب على حضارتنا ووجودنا؛ بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى؛ جعل من الضروري أن نواجه حقيقة الفكر السياسي الإسلامي، ونغوص في خبايا أهدافه واتجاهاته، وعدم الاكتفاء بالشعارات العامة التي لا تغير من الواقع المرير شيئًا" [4] .
تأسيسًا على ما تقدم؛ حاول كثير من المعاصرين، لاسيما العاملين في ميدان العمل العام، إيضاح ما توصّلوا إليه بالنظر، أو نتيجة الخبرة والممارسة، ومن ذلك إجابة د. فتحي يكن على سؤال (ماذا تعني السياسة في الإسلام) ؟ فقال:
"إن السياسة تعني في مفهومنا الإسلامي رعاية شؤون الأمة"في كل جانب من جوانب الحياة:"التشريعية والتنفيذية والتربوية والتعليمية والإعلامية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والمالية والبيئية والعلمية والثقافية والفنية. إلخ" [5] .
عرّف ابن منظور (محمد بن مكرّم، ت 711 هـ) السياسة في موسوعته اللغوية (لسان العرب) بقوله:"والسَّوْسُ: الرِّياسةُ. يقال: ساسوهم سَوْسًا. وإذا رأّسُوه قيل: سوَّسُوه وأساسوه. وسَاسَ الأمرَ سياسةً: قام به. ورجل ساسٌ من قوم ساسة وسُوّاس. أنشد ثعلب:"
سادَة قادة لكل جميعٍ * ساسَة للرجال يومَ القِتالِ
وسَوّسَه القومُ: جََعلوه يَسُوسُهم. ويقال: سُوِّسَ فلانٌ أمرَ بني فلان، أي كُلِّف سياستهم. الجوهري: سُسْتُ الرعيةَ سياسةً. وسُوِّسَ الرجلُ أمورَ الناس، على ما لم يُسَمَّ فاعله، إذا مُلِّك أمرَهم. ويروى قول الحطيئة:
(1) مجموعة من الكتاب، الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية، أوراق في النقد الذاتي، تحرير وتقديم: د. عبد الله فهد النفيسي، الكويت، يطلب من المحرر مباشرة، ط 1 1410 هـ/ 1989 م، ص 18.
(2) مجموعة من الكتاب، الحركة الإسلامية، ص 19.
(3) الحركة الإسلامية، ص 27.
(4) د. علي محمد الآغا، الشورى والديمقراطية، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط؟، 1982 م، ص 7.
(5) د. فتحي يكن، أضواء على التجربة النيابية الإسلامية في لبنان، الكتاب الأول: الأداء النيابي بين المبدأ والتطبيق، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1416 هـ/1996 م، ص 19 - 21.