-أولها: الإقرار لله تعالى بالوحدانية، وحدانية الإلوهية والربوبية.
-وثانيها: استخلاف الإنسان لعمارة الأرض وبناء الحياة ضمن القواعد الشرعية.
-وثالثها: تحقيق المصالح ودرء المفاسد، للفرد وللجماعة، في دينهم ودنياهم.
وكل ما عدا ذلك تفصيل ينبغي على علماء المسلمين المشتغلين في السياسة الشرعية مراعاة احتياجات العصر، ورسم معالم النظرية بلغة يفهمها المسلم وغير المسلم، تمامًا كما صاغ الفقهاء السابقون قواعد الأصول والقواعد الفقهية وسواها مما احتاجه الناس لصحة العبادات والمعاملات، وتنفيذ الأحكام، وتجنب الحرام.
والحاجة الملجئة لإقامة الأحكام، وسياسة الناس، تخضع كغيرها من الأعمال للتصور الإسلامي (للجماعة المسلمة) ، وعلو سلطان الشريعة على سلطان الدولة، فعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - (ت 23 هـ) :"وددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر، تذهب بنا شرقًا وغربًا، فلن يعجز الناس أن يولوا رجلًا منهم، فإن استقام اتبعوه، وإن ظلم قتلوه. فقال طلحة: ما عليك لو قلت: وإن اعوج عزلوه؟ فقال عمر: لا، القتل أنكل لمن بعده" [1] .
ونقل الشهرستاني (محمد بن عبد الكريم، ت 548 هـ) عن أهل السنة قولهم بأن الإمامة فرض واجب [2] ، وكذلك الآمدي (علي بن محمد، ت 631 هـ) [3] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (أحمد بن عبد الحليم، ت 728 هـ) بوجوب تنصيب الإمام مستدلًا بالنقل والعقل [4] ، وهو قول الإيجي (عبد الرحمن بن أحمد، ت 756 هـ) بعد أن عدد ما يسميه المصالح العائدة إلى الخلق معاشًا ومعادًا [5] ، وكذا ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد، ت 808 هـ) في مقدمته نقل الوجوب والإجماع على نصب الإمام [6] . ويلخص الجرجاني (علي بن محمد، ت 816 هـ) الحكمة والحكم بقوله:"ففي نصب الإمام دفع مضرة لا يتصور أعظم منها، بل نقول: نصب الإمام من أتم مصالح المسلمين، وأعظم مقاصد الدين، فحكمه الإيجاب السمعي" [7] .
لا يصح للوصول إلى بلورة نظرية سياسية الاكتفاء بدراسة سطحية لنظام الدولة التي تحكم شعبًا أو أمة بعينها، وإنما نحتاج إلى دراسة شاملة لكل المؤثرات المتعلقة بالممارسة، لأن الممارسة نفسها نتيجة وليست سببًا، والعقيدة تشكل آلية التوجيه المؤثرة في حركة الناس وحركة رجال السلطة،"ينبغي علينا لتحليل النظام السياسي لبلد معين، ألا نقتصر على دراسة نظام الحكم فيه، بل يجب أيضا تحليل نظامه الاجتماعي" [8] .
ذلك لأن"علم السياسة على صلة وثيقة جدا بالعلوم الإنسانية الأخرى كعلم الاقتصاد والاجتماع والنفس والأخلاق، ولذلك يذهب هارولد لاسكي في مقارنته بين الدولة والمجتمع إلى أن الدولة"
(1) عبد الرحمن خليفة، في علم السياسة الإسلامي، الاسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1990 م، ص 127 - 128.
(2) الشهرستاني، نهاية الأقدام في علم الكلام، تحرير وتصحيح: الفرد جيوم، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، ب. ت، ص 478.
(3) الآمدي، الإمامة من أبكار الأفكار في أصول الدين، تحقيق: محمد الزبيدي، بيروت، دار الكتاب العربي، ط 1، 1412 هـ/ 1992 م، ص 72.
(4) ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تحقيق: أبو يعلى القويسي، بيروت، دار الكتب العلمية، ص 137 - 138.
(5) عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، المواقف في علم الكلام، بيروت، عالم الكتب، ب. ت، ص 396.
(6) مقدمة ابن خلدون، العصرية، ط 2، 1416 هـ/1996 م، ص 179.
(7) الجرجاني، شرح المواقف للإيجي المتوفى 756 هـ، تصحيح: محمد بدر الدين النعساني الحلبي، القاهرة، مطبعة السعادة، ب. ت، ص 346 - 347.
(8) ثروت بدوي، النظم السياسية، القاهرة، دار النهضة العربية، 1975 م، ص 7.