الصفحة 15 من 40

واستهداف تحقيق الصلاح والابتعاد عن الفساد لجميع خلق الله. فالإنسان ومصلحته المعتبرة شرعا هو موضوع السياسة الأساسي. وفي ذلك نكرر قول الفقيه الحنبلي علي بن عقيل (ت 513 هـ) :"إن السياسة هي ما يكون فعلًا معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول -، ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: إلا ما وافق الشرع، أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت إلا ما نطق به الشرع، فغلط وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين ما لا يجحده عالم بالسنن [1] ."

ولطالما ردّد الفقهاء هذه القاعدة:"حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله" [2] ، دلالة على أن الأحكام الشرعية تعمل لمصلحة الإنسان وليس للحجر عليه كما وقع في الأمم السابقة، التي حجر كهانها على الناس والنصوص، وفرضوا رؤيتهم الخاصة في أمور الدين والدنيا.

ولمراعاة مصالح الناس غير المتناهية، والمختلفة باختلاف الزمان والمكان، أعطى الإسلام الفقهاءَ مرونة واسعة تعينهم على الاجتهاد، ضمن القواعد الأصولية المقررة، بما يؤدي إلى تحقيق غايات الإصلاح المنشود، وفي هذا يقول ابن القيم (محمد بن أبي بكر، ت 751 هـ) عن التوسع في ميدان (فقه السياسة) :

"فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد، وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر، بل بين بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها" [3] .

وأضاف توضيحا فقال:"ولا نقول إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها، وباب من أبوابها، وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي، وإلا فإذا كانت عدلا فهي من الشرع" [4] .

وبيَّن؛ رحمه الله؛ شمول الإسلام لكل ميادين الحياة، وبطلان التقسيم إلى شريعة وسياسة بقوله:"وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة، وكتقسيم آخرين الدين إلى عقل ونقل، وكل ذلك تقسيم باطل، بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل كل ذلك ينقسم إلى قسمين: صحيح، وفاسد، فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها، والباطل ضدها ومنافيها. وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها وهو مبني على حرف واحد وهو عموم رسالته - بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وإنه لم يحوج أمته إلى أحد بعده، وإنما حاجتهم إلى من يبلّغهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسَل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه مَنْ بُعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة لا تحوج إلى سواها ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به" [5] .

وبناء على ما تقدم نرى أن في الإسلام نظرية سياسية تقوم على أركان ثلاثة:

(1) انظر: ابن القيم، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تحقيق: محمد جميل غازي، القاهرة، مطبعة المدني، 1977 م، ص 17.

(2) عبد الوهاب خلاف، السياسة الشرعية، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 3، 1407 هـ/ 1987 م، ص 10.

(3) ابن القيم، أعلام الموقعين عن رب العالمين، مراجعة وتعليق: طه عبد الرؤوف سعد، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، المحرم 1388 هـ/ إبريل 1968 م، ص 4/ 373.

(4) ابن القيم، أعلام الموقعين، ص 4/ 373.

(5) ابن القيم، أعلام الموقعين، ص 4/ 375.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت