الصفحة 32 من 40

لله)، وهو مطلب عدل؛ ولكن هل حصر العمل الإسلامي بهذا الهدف السياسي سيؤدي إلى تحقيق شعار (إن الحكم إلا لله) في عالم الواقع؟

ومن المعلوم أن مبحث السلطة السياسية (الإمامة) أحد أبرز مباحث الخلاف بين الفرق الإسلامية، ففي الوقت الذي يرى فيه الشيعة أن الإمامة وراثة للنبوة، ويجعلونها في مباحث (أصول الدين) ، يرى أهل السنّة والجماعة (والخوارج والمعتزلة) إن الأحكام السلطانية من فروع الفقه وليست من العقائد، ولذلك يجعلونها في مباحث (الفروع) .

وقد أوضح الإمام الغزالي (محمد بن محمد، ت 505 هـ) ؛ وكان معاصرًا لفترة تاريخية غرق فيها العالم الإسلامي في قضايا السياسة الدولية والفتن الطائفية وفتنة الخطر الخارجي المتحالف مع بعض فرق الباطنية الداخلية؛ أوضح نظرة أهل السنّة إلى قضية الإمامة (الحكم والدولة) فنفى أن يكون مبحث الإمامة جزءًا من مباحث العقيدة، فقال: (النظر في الإمامة أيضًا ليس من المهمّات، وليس أيضًا من فن المعقولات فيها، بل من الفقهيات) [1] .

وبالعودة إلى ما ابتدأنا به الفقرة عن تحديد أولوية جُل فصائل الحركة الإسلامية في الوصول إلى السلطة، نسأل: ماذا يعني أن يكون الشعار المرفوع محصورًا في (إن الحكم إلا لله) دون أن نهيئ أسباب النجاح لتحقيق هذا الشعار في عالم الواقع، ونحن نرى نسبة الأمية في تصاعد، والزراعة في تراجع، والصناعة متخلفة، وبرامج الإسكان لا تتناسب مع زيادة عدد السكان، والطبابة بدائية، والتعليم لا يفي بحاجات الأمة، والبطالة تشكل عبئًا متزايدًا على الأفراد والمجتمع والأمة؟ وهل يصح أن يغيب ذلك كله عن شعارات المرحلة الكلية أو الجزئية! وخطوات البناء والتنمية خطوات ضرورية لا تقل عن الشعار السياسي الذي ترفعه الحركة الإسلامية، ومحو الأمية، ورفع مستوى الخدمات، وتحقيق كفاءة تقنية ما هي إلا قواعد أساسية على درب بناء مجتمع متكافل يستطيع أن يكفي نفسه، ليستطيع بعد ذلك تحقيق شعاراته!

إن حصر أهداف الحركة الإسلامية سياسيًا بإزالة الحكام الحاليين لمصلحتها، افتئات على الحركة بعمومها، وإن كانت بعض الفصائل تسعى لذلك وتعلنه صراحة في أدبياتها ومؤتمراتها، وكانت حركة (المهاجرون) الناشئة في بريطانيا قد نظمت لسنتين متتاليتين مسيرة ضخمة جمعت أبناء الجاليات الوافدة واللاجئة في بريطانيا، تحت شعار (إقامة الخلافة) .

وكانت مجلة (المجلة) اللندنية قد نشرت ملفًا عن تنامي (الإسلام السياسي) في بريطانيا، تحت عنوان (الجماعات الإسلامية تركز على الجامعات وحضور مكثف لقادتها في الندوات) ، وفي نفس الملف مقابلة مع عمر بكري -كان يومها عضوًا في حزب التحرير- اختارت له عنوان (نقوم بإفهام البريطانيين الإسلام للمساعدة في حال تقدم جيوش الخلافة لغزوهم) [2] ، ولقد كرر مثل هذه التصريحات في مقابلات أجرتها معه عدد من المجلات والصحف [3] ، وقد دفعت تصريحاته المتطرفة يومًا بأحد البريطانيين ليقول له:"إنني سمعت أن الإسلام دين حياة! ولكن الإسلام الذي أسمعه منك دين يدعو إلى القتل والإماتة".

هموم العالم الإسلامي كثيرة، يأتي في مقدمتها:

(1) الغزالي، محمد بن محمد، ت 505 هـ، الاقتصاد في الاعتقاد، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1، 1403 هـ/ 1983 م، ص 147.

(2) مجلة (المجلة) بتاريخ 17/ 12/1995 م ص 26 - 34.

(3) انظر: (القبس) الكويتية 1/ 3/96. و (الشرق أوسط) اللندنية 11/ 3/96. و (الحياة) اللندنية 5/ 9/96 م، أوضح بكري فيها أين ستقوم دولة الخلافة بقوله:"إن منطقة القارة الهندية وأندونيسيا وماليزيا مؤهلة لذلك أكثر من الدول العربية، إذ فيها 500 مليون مسلم بينما في العالم العربي 160 مليونًا مقسمون على 20 دولة"، و (الوسط) اللندنية 9/ 9/96 م، و 23/ 9/96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت