الصفحة 25 من 40

-القمع بشراسة.

-أو غض الطرف.

-أو التحالف والإيهام بتقاسم المشروع والنفوذ.

-أو احتواء الحركة.

وفي جميع هذه الحالات تبقى حالة الترقب والحذر هي المسيطرة، وتسيطر معها حالة انعدام الثقة، وتوقُّع الضربة في أية لحظة، والاستعداد للحظة المواجهة، مما يعني حالة من الإعياء داخل متاهة تعيدك إلى نقطة البدء كلما ظننت أنك اقتربت من باب الخروج.

تؤثر الحرية السياسية في جل ميادين الحياة، وتطبع الفرد والجماعات بطابعها، كما يلقي الاستبداد والعبودية بظلالهما الثقيلة على الإنسان فردًا وجماعة ودولة وأمة، وما يصدق في سلب الحرية على مستوى العمل السياسي الرسمي يصدق على العمل السياسي الحركي، والفكر السياسي المنشود لا يمكن أن ينبت داخل بيئة معادية للرأي، تفكيرًا وتعبيرًا وأداءً، ونحن -للأسف- عندما نوجّه سهام نقدنا للأنظمة المستبدة ننسى أن بعض التنظيمات تمارس دكتاتورية تفوق دكتاتورية الأنظمة، وفي معظم الأحيان تلتمس لنفسها الأعذار بحجة الدفاع عن النفس، وبحجة خوف الاختراق، ولذلك تراها تبين واجبات الفرد تجاه الجماعة ولا تبين حقوقه عليها، ويكثر في حلقاتها ولقاءاتها الحديث عن السمع والطاعة والثقة بالقيادة، وتقدّم ذلك على الحديث عمّا سواها، مع أن العمل الجماعي عمل تعاقدي يفترض أن تتضح فيه حقوق وواجبات أطراف العقد، كما في بيعة الحاكم حقوق وواجبات متقابلة، ولما بايع الأنصار رسول الله - قالوا:"اشترط لنفسك"، فاشترط لنفسه، واشترطوا لأنفسهم، فبيّن ما له عليهم وما لهم عليه. فالبيعة إذن عقد يتضمن حقوقًا تقابلها واجبات، وواجباتٍ تقابلها حقوق.

فهل تراعي الأنظمة ذلك في بناء شخصية المواطن، وهل تراعي التنظيمات قضية الحقوق والواجبات في بناء الشخصية الحركية.

وهذا الاجتزاء ما بين النظرة إلى الداخل، والنظرة إلى الخارج تشكل حجر عثرة حقيقية في طريق العمل الإسلامي، وطريق أية جماعة تسعى لحلول جذرية لأزمات الأمة الراهنة، وهو خطر يتجاوز في آثاره العملية والاستراتيجية كل ما يمكن تدبيجه عن محاسن الضبط والربط الداخلي.

ومن العجيب أن نرى بعض أبناء التيار الإسلامي الريادي يقفون موقفًا سلبيًا من (الحريات) بسبب انحراف الممارسة الغربية، وأعجب من ذلك أن يتم التأصيل لفقه الاستعباد، وأن يتم الخلط ما بين العبادة لله - وهي رأس هرم الحريات بما تحققه من انعتاق الإنسان من أسر الشهوة وعبودية العادة والخضوع للغير، وسواها - وبين العبودية السياسية المرفوضة شكلًا ومضمونًا [1] .

إن فقدان الحرية داخل الحركة وخارجها، يساهم في إقامة سدود العزلة بين أبناء الوطن الواحد، ويمنع الأمة من توظيف التنوع الفكري والثقافي لمصلحتها، ويدفع الصف الإسلامي نفسه للتقوقع والعزلة بعيدًا عن المساهمة المباشرة، أو يتركه عرضة للخوف والتردد وعدم الخبرة، وكل منها كفيل بتحقيق الانحراف عن جادّة الصواب في التصرف والاختيار.

ولقد استعاذ النبي - من الظلم، وأعاذ منه، ففي الحديث:"أعيذك بالله يا كعب بن عُجرة من أمراء يكونون من بعدي، فمن غشي أبوابهم وصدّقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني"

(1) انظر موقف الشيخ/ سعيد حوى من موضوع الحرية ومقارنته ما بين الحرية في التصور الغربي والعبودية لله في التصور الإسلامي: الإسلام، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2، 1399 هـ/ 1979 م، ص 288 و 289.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت