الصفحة 24 من 40

ويظهر أن التجربة العملية وحدها هي التي تصقل الرؤية، وتعدّل الخطاب السياسي الإسلامي، وهي التي تنير الطريق أمام الساعين بجد للخلاص من حالة التخبط التي نحياها، ومن حالة التصارع الداخلي الذي يزيد في عملية تآكل قوانا وطاقاتنا، وفي النموذج النيابي المصري صورة من صور التفاهم مع الذات ومع المجتمع، حيث تقول إحدى وثائق التيار الإسلامي في جلسات مجلس الشعب حول تطبيق الشريعة الإسلامية:

"... ويجب ألا يفهم منه إطلاقا إننا نعيش في فراغ إسلامي، يجب ألا يفهم منه إطلاقا أننا نبدأ من فراغ، إنما نحن نسير في الطريق القويم الذي يجعل من مصر دائما قدوة وقوة، إن مصر قدوة في العالم الإسلامي وستحافظ على هذا الاسم الذي جاء في القرآن الكريم والذي نحرص عليه جميعًا ونحرص أن نبين تماما انه إذا كانت هناك بعض الشوائب هنا أو هناك فإن الأساس سليم، وان مجتمعنا سليم، وإننا حريصون كل الحرص على الإسلام، بل إنه كما قيل هنا في أكثر من كلمة قيلت اليوم: إننا نستكمل الطريق، إن جزءًا كبيرًا من قوانيننا - أيها الإخوة والأخوات - مستمد بالفعل من الشريعة الإسلامية" [1] .

وبالرغم من وجود هذا التيار الإسلامي الواقعي الذي ينظر إلى الأمور بمقياس الوسطية البعيدة عن الإيغال في طرفي النقيض، ما زلنا نرى بعض الحكومات لا ترعوي عن خسارة جمهورها، وإهدار طاقات أمتها، والتفريط بالكفاءات الشابة والضرورية لنهضة موعودة، والتعرّض بقسوة للمتحركين على الساحة السياسية، إسلاميين كانوا أم غير إسلاميين [2] .

وأمام الصراع بين السلطة والتنظيمات الشعبية، من منطلق حرص كل طرف على إزالة الآخر، وضمن مناخ لا يرى سوى الخصومة والعدواة في الجهة المقابلة، يتحول العمل السياسي إلى ساحة وغى يتبارى فيها طرفان، ويصبح (الصدام) بألوانه السوداء المتدرجة هو الفلسفة الوحيدة المقبولة من لدن السلطة الحاكمة إلى أفراد المحكومين"فهنالك النظرية التي تقوم على العمل السياسي الصدامي بالسلطة بلا عنف، أي تصادم السلطة برفع الصوت عاليًا ضدها أو ضد رمزها ويحرض عليه علنًا" [3] ."وهناك نظرية العمل السياسي التي تعتمد على الإفادة من كل ما يتيحه النظام من وسائل المعارضة والمشاركة بما في ذلك العمل ضمن النقابات والصحافة والبرلمان وغير ذلك" [4] .

إن حركة الصراع تنعكس على منهجية الفهم السياسي للحركة الإسلامية، تمامًا كما تنعكس على منهجية السلطة الحاكمة، وتبقى الحركة السياسية أسيرة الرؤية السوداوية الحذرة من كل شيء خارجها، وتنمو في نفوس أبنائها نظرية (المؤامرة) ، وتتلاشى لديهم فرص اللقاء النفسي مع الآخر، وفي ذلك يقول د. حسن الترابي من منطلق التجربة الشخصية:"كانت الحركة ترهب الدول عمومًا، وتنفر من الدول غير المسلمة خاصة، تعدية لمفهوم البراء من الكفار إلى صعيد العلاقات، وعقدت من شبهة الاتصال الدبلوماسي كأنه مباشرة نجس غريب، أو مقاربة خطر خبيث" [5] .

ويطيب للبعض أن يحصر موقف الحكومات من الحركة الإسلامية، في أحد النقاط التالية:

(1) محمد الطويل، الإخوان في البرلمان، القاهرة، المكتب المصري الحديث، ط 1، مايو 1992 م، ص 131.

(2) د. عبد الله أبو عزة، نحو حركة إسلامية علنية وسلمية، مساهمة في: مجموعة من الكتاب، الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية، أوراق في النقد الذاتي، تحرير وتقديم: د. عبد الله فهد النفيسي، الكويت، يطلب من المحرر مباشرة، ط 1، 1410 هـ / 1989 م، ص 194 و 195.

(3) منير شفيق، حول نظرية التغيير، مساهمة في: مجموعة من الكتاب، الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية، أوراق في النقد الذاتي، تحرير وتقديم: د. عبد الله فهد النفيسي، الكويت، يطلب من المحرر مباشرة، ط 1، 1410 هـ/ 1989 م، ص 396.

(4) منير شفيق، حول نظرية التغيير، ص 397.

(5) د. حسن الترابي، البعد العالمي للحركة الإسلامية (التجربة السودانية) ، مساهمة في: مجموعة من الكتاب، الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية، أوراق في النقد الذاتي، تحرير وتقديم: د. عبد الله فهد النفيسي، الكويت، يطلب من المحرر مباشرة، ط 1، 1410 هـ/ 1989 م، ص 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت