ولم يبق هذا الفكر محصورًا داخل دائرة جماعة إسلامية بعينها وإنما انتشر مع انشطار العمل الإسلامي في الساحة السُّنيّة إلى عشرات المجموعات والتكتلات الشللية، ثم ظهر في الساحة الشيعية تحت عنوان (الولاء والبراء) ، وكان حتمًا لازمًا على كل منتمٍ (للفكرة) أو (للجماعة) أو (للتنظيم) أو (للحزب) أن يترسّخ في نفسه موضوع المفاصلة مع المجتمع الجاهلي.
وبالرغم من الأدبيات المعلنة بأن الجماعة المسلمة (أية جماعة) لا تشكل جماعة المسلمين وإنما هي جماعة مسلمة كغيرها من الجماعات العاملة في سبيل الله، ثم الأمة، فإن الشعور بالتميز وبالانتماء إلى فكر مغاير لما عليه عامّة النّاس بات ينمو وينمو حتى صار السمة العامة لجميع المنتمين إلى الجماعات الإسلامية، فصفتهم العامة مخالفة المجتمع الذي يعيشون فيه بشكل جادّ وحادّ، بنسب متفاوتة، وبطرق من التعبير تختلف باختلاف البيئات والأشخاص والظروف.
فهل نعيش بالفعل في مجتمعات جاهلية تستحق الحرب الضروس والمفاصلة الباتّة؟ وهل قوانيننا التي تحكمنا في العالم الإسلامي هي قوانين كفر وشرك وجاهلية؟ وبالتالي ليس بيننا وبينها سوى الخصومة والحرب التي لابد أن نخرج منها شهداء أو منتصرين؟ ويخرج منها عدونا -وهو هنا مجتمعاتنا ومؤسساتنا الدينية والسياسية الوطنية والقومية- بالحصيلة نفسها، إما الانتصار وإما الموت؟
تتأرجح علاقة المسلم (الملتزم) بالمؤسسة السياسية ما بين الولاء والتأييد، والبراء والمخالفة، تبعًا لأحوال العصر ولموقف المؤسسة الحاكمة وفلسفتها في القيادة، أهي مستبدة أم شورية، أهي داعية أم داهية، أهي استمرار لمنهج الخلافة الراشدة أم هي صورة من صور الاستبداد والمُلك الجبري، ويزيد في ترسيخ هذه الصورة من العلاقات المتماوجة ما جمعه بعض الكتّاب الإسلاميين من قصص التراث في فترة المحنة الناصرية من مواقف تاريخية متوترة بين أهل العِلْم وأهل الحُكْم [1] . ففي تراثنا مواقف تؤيد خط المفاصلة والمواجهة، ويبقى العز بن عبد السلام الأنموذج الأوضح الذي تستشهد به منابر الحماس والمواجهة، ومنها ما يستشهد به المعاصرون من دعاة البحث عن حل إسلامي لقضايانا الشائكة وعلى رأسها علاقة العالم والداعية بمؤسسة الحكم [2] .
وتكاد هذه الصورة وحدها تحتكر أذهان كثير من الدعاة عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويتم ترسيخ هذه المفاصلة بكل ما أمكن من الشواهد، وأحيانًا يتم تطويع النصوص النبوية بحيث تؤدي إلى مزيد من التنفير ما بين الحاكم والمحكوم، وتنمي أجواء الرعب من كل سلطة، وتصور كل سلطة على أنها جبارة في الأرض، وأنها في موقع الخصم للرسالة وللدعوة، وللعلماء القائمين على الرسالة والدعوة، وإن ما نعرفه من فترات هدنة إنما كانت لمصلحة المؤسسة الحاكمة، وإن العلماء الذين هادنوا لم يكونوا سوى (وعّاظ سلاطين) وبذلك يبقى في الذهن أن أفضل القُرُبات إلى الله الإنكار على أهل السلطة واتهام إنجازاتهم، ولو كانت تصب في مصلحة الأمة، مما يخرج البعض من سمت الموضوعية المطلوبة من العالم والداعية الرسالي إلى حيّز المناكفة والمخاصمة وكأنها من قبيل: (ولكن عين السخط تبدى المساويا) [3] .
(1) انظر على سبيل المثال: كتاب الشيخ الشهيد عبد العزيز البدري (الإسلام بين العلماء والحكام) ، وكتاب الشيخ أحمد الدومي (محنة الإمام أحمد بن حنبل) ، وكتاب الشيخ يوسف القرضاوي (عالم وطاغية) ، وكتاب فهمي هويدي (متمردون لوجه الله) .
(2) انظر مثلًا موعظة ابن أبي ذؤيب للمنصور، التي أورها الإمام الغزالي في الإحياء، 7/ 27. وموعظة طاووس لأبي جعفر المنصور في تذكرة الحفاظ، ص 1/ 160، وفي وفيات الأعيان، ص 2/ 511.
(3) شطر بيت (فعين الرضا عن كل عيب كليلة * ولكن عين السخط تبدى المساويا) ، لعبد الله بن معاوية عند جعفر بن أبى طالب، قاله في الفضيل بن السائب، وذهب البيت مثلًا، ثم تبعه من قال: (وعين البغض تبرز كل عيب * وعين الحب لا تجد العيوبا) [ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، ص 1/ 327] .