الصفحة 27 من 40

يفرض واقع عالم اليوم ظروفًا وشروطًا جديدة للعمل التنظيمي والحكومي والشعبي، في ميادين كثيرة، أبرزها تشكيل الإدارات وتحديد آليات اتخاذ القرار وتنفيذه، ولم يعد العمل السياسي مجرد كفاءة شخصية، كالتي عرفها العالم النامي في القرن الأخير، وإنما هو حصيلة جملة من المعطيات، تقوم عليها - في دول القرار الغربية - مؤسسات تخصصية تعنى بالقيادات والبرامج السياسية، كما تعنى بتوفير الأسباب المؤدية إلى نجاح عملهم وتحقيق أطروحاتهم، ونظرة سريعة إلى الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية - على سبيل المثال - تبيّن لنا أهمية هذا التخصص، فالسياسة تحتاج ككل نشاط بشري إلى: المعلومات، والإعلام، وصياغة الخطاب، سواء كان موجهًا للخاصّة أو للعامة. والمعلومات تحتاج إلى مؤسسات فاعلة في هذا الميدان. والإعلام يحتاج إلى مؤسسة فاعلة، والخطاب يحتاج كذلك إلى مؤسسات صياغة، ألا ترى أن عالم اليوم لم يعد قائمًا على العفوية؟

يشكل (النقد) حساسية مفرطة في المجتمع الإسلامي عامّة، ولدى الدعاة على وجه التخصيص، وربما تعود هذه الحساسية إلى الفكرة الغالبة بأن الدعوة تمثل حركة الإسلام نفسه، وإن (الحركة) أو (الجماعة) تمثل الأمل المرجو في استعادة مؤسسة الخلافة المفقودة، كما تعود إلى التقويم الخاص الذي ينظر إليه معظم خريجي المعاهد والكليات الدينية إلى أنفسهم، فهم - بمعنى ما - يمثلون عِلْم الكتاب والسنّة، ولعلهم يظنون أن لكلامهم نفس قدسية كلام الكتاب والسنّة، وجلهم يرى في نفسه أستاذًا يملك حق تفسير النصوص دون غيره، وإن كان البعض هو الذي يصرّح بذلك علانية [1] .

إن موقع (الأستاذية) الذي يرى الداعية فيه نفسه يجعله بعيدًا عن روح (الرسالة) الذي ينبغي أن يتحلى بها إن أراد بالفعل خدمة من حوله بإرشادهم إلى الطريق القويم، وبالرغم من الأدبيات الكثيرة التي تتحدث عن عدم عصمة أحد وتعرّض الجميع لإمكانية الخطأ والصواب، واستشهاد الكثيرين بقول الإمام الشافعي (ت 205 هـ) :"كلامنا صواب يحتمل الخطأ، وكلام غيرنا خطأ يحتمل الصواب"، إلا أن الواقع يؤكد وجود ثقة بالنفس زائدة عما ينبغي، تدفع صاحبها إلى تخطيء كل من يخالفه في القول أو العمل.

ولا يصح أن يظنن ظان أن النقد يعني إنكار الإيجابيات، والتنكر للمنجزات التي قامت بها الحركة الإسلامية أو تقوم، فليس من العدل في شيء أن نحوّل (النقد) و (النصيحة) إلى تجريح وفضيحة وتسفيه، فإن وجد أحدنا في نفسه من ذلك فليمسك، لأن أحد أهم الفوارق ما بين النظام الإسلامي والديمقراطية هي (النية) الخالصة و (والوسيلة) المشروعة، وليست الفضيحة من الإسلام شيئًا، ولا يجوز من المسلم إيذاء المسلم بقول أو عمل، إنما القصد الإصلاح، وللإصلاح سبل ومقاصد مشروعة.

وغياب منهجية النقد الموضوعي تفوّت على المسلم فرصة رؤية عيوبه ومعالجتها، كما تفوّت عليه قراءة تاريخه قراءة تحليلية تهدف استنباط المواقف الصحيحة، وتحديد المواقف الخاطئة، وبالتالي استقراء دروس الماضي للاعتبار والتمثّل وتحاشي الثغرات، في وقت واحد، فالعين المُحبة لا تعني العين المُغلقة، وإنما يزداد الحب بمعرفة الحقيقة بدون زيف، وإلا فإننا نختلق عالمًا وهميًا خاصًا بنا لا علاقة له بإنسانية الذين سبقونا ومهدوا لنا ما يمكن أن يجنبنا المزالق لو قرأنا تجربتهم بعين مستبصرة.

(1) خالص جلبي، في النقد الذاتي، ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 1983 م، ص 10 و 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت