الصفحة 21 من 40

إلى رجل يقاتل المشركين، وكان من أعظم المسلمين غَنَاء عنهم فقال:"من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا"، فتبعه رجل فلم يزل على ذلك حتى جُرح فاستعجل الموت، فقال بذبابة سيفه فوضعه بين ثدييه فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه، فقال النبي:"إن العبد ليعمل؛ فيما يرى الناس؛ عملَ أهل الجنة وإنه لمن أهل النار، ويعمل؛ فيما يرى الناس؛ عملَ أهل النار وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بخواتيمها" [1] .

ويقول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم* إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون* ومن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} [المائدة/54 - 56] .

و (الناس) كما يراهم الفكر الإسلامي هم أحد ثلاث: المسلمون، وأهل الكتاب، والناس أجمعون .. وموقف المسلم من (الآخر) تحدده عدد من المعطيات، منها ما يتعلق بموقف الآخر من قبول أو رفض التعايش مع المسلم، وبناء عليه فالآخرون سواء كانوا من أهل الكتاب أو الناس كافّة إما مسالم وإما محارب، ولكل منهما أحكام.

يقول صاحب الظلال:"ينقسم العالم في نظر الإسلام وفي اعتبار المسلم إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما: الأول (دار الإسلام) وتشمل كل بلد تطبق فيه أحكام الإسلام، وتحكمه شريعة الإسلام، سواء كان أهله كلهم مسلمين، أو كان أهله مسلمين وذميين، أو كان أهله كلهم ذميين ولكن حكامه مسلمون يطبقون فيه أحكام الإسلام، ويحكمونه بشريعة الإسلام، أو كانوا مسلمين، أو مسلمين وذميين ولكن غلب على بلادهم حربيون، غير أن أهل البلد يطبقون أحكام الإسلام ويقضون بينهم حسب شريعة الإسلام، فالمدار كله في اعتبار بلد ما (دار إسلام) هو تطبيه لأحكام الإسلام وحكمه بشريعة الإسلام .. الثاني (دار الحرب) وتشمل كل بلد لا تطبق فيه أحكام الإسلام، ولا يحكم بشريعة الإسلام، كائنًا أهله ما كانوا، سواء قالوا: إنهم مسلمون، أو إنهم أهل كتاب، أو إنهم كفار، فالمدار كله في اعتبار بلد ما (دار حرب) هو عدم تطبيقه لأحكام الإسلام وعدم حكمه بشريعة الإسلام، وهو يعتبر (دار حرب) بالقياس للمسلم وللجماعة المسلمة. والمجتمع المسلم هو المجتمع الذي يقوم في (دار الإسلام) بتعريفها ذاك" [2] .

هكذا كان التقسيم يوم كانت دار الإسلام تتحرك على الساحة الدولية وتمثّل الأمة المسلمة سياسيًا، فهل بقي الوضع على ما هو عليه؟ وهل بقي التصنيف القديم ما بين دار إسلام ودار حرب هو الصيغة الوحيدة التي تلزم الإنسان المسلم والأمة المسلمة؟ أم هناك صيغ أخرى يمكننا التعامل معها في حركتنا المعاصرة، تنظم علاقتنا بالآخر؟ لاسيما وإن أحداثًا كثيرة قرّبت مِنَ الأمة مَنْ يُفترض فيهم أن يكونوا في جبهة العدوان، وأبعدت من يفترض به أن يكون جزءًا لا يتجزأ من الأمة.

وتبيّن تفاصيل صحيفة المدينة كيف يكون التعامل داخل الدولة المسلمة بين الدولة ورعاياها من جهة، وبين المسلمين وغير المسلمين من جهة أخرى، وهو تعامل سبق كل ما عرفته البشرية المعاصرة عن التعايش والتنوع والتعدد وحرية الرأي والمعتقد والهوية الثقافية والحريات السياسية، بمراحل تفتقدها دول معاصرة تحسب نفسها معنية بقضية (الإنسان) وهي منها بَرَاء.

إننا نرى من الضرورة بمكان أن يؤكد العلماء والدعاة على قدسية القرآن الكريم وصحيح السنة، وندعو بناء على هذه القاعدة إلى تحديد الثابت من قواعدنا الدينية والأخلاقية والسياسية، وتمييزها عن المتغيرات في شؤون الدنيا وعالم العلم، ذلك لأننا نرى في جعل كل قول سابق لإمام

(1) البخاري في كتاب الرقاق، حديث 6012.

(2) سيد قطب، في ظلال القرآن، القاهرة وبيروت، دار الشروق، ط 10، 1401 هـ/ 1981 م، ص 873 - 874.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت