ولا يتنافى إقرار كل جماعة لغيرها على اختياراتها الفروعية مع التناصح وبيان الصواب والتكلم في هذه المسائل وغيرها بالحجج العلمية، وندب الآخرين إلى العمل بالأحوط، والخروج من الخلاف ما لم يؤد ذلك إلى مفسدة راجحة، وإنما المقصود أن تكون معاقد الولاء والبراء هي الجمل الثابتة لا غير، وأن هذه الاختيارات الفروعية مهما كانت نتيجة التداول حولها من اتفاق أو اختلاف لا تصدع بناءً، ولا تفرق اجتماعا، ولا يُضيّق فيها على المخالف، ولا يُثَرَّب عليه بهجر أو نحوه، بل من عمل فيها بهذا الاختيار لم يُنكر عليه ولم يُهجر، ومن عمل فيها بالاختيار الآخر لم يُنكر عليه ولم يُهجر، ما دام موقفه هذا صادرًا عن اجتهاد أو تقليد سائغ]
ثم بين في مدخل الدراسة أنه بنى دراسته هذه على ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الموضوع في مجموع الفتاوى، حيث نقل عنه قوله:
[فالأصول الثابتة بالكتاب والسنة بالإجماع، هي بمنزلة الدين المشترك بين الأنبياء ليس لأحد خروج عنها، ومن دخل فيها كان من أهل الإسلام المحض، وهم أهل السنة والجماعة، وما تنوعوا فيه من الأعمال والأقوال المشروعة فهو بمنزلة ما تنوعت فيه الأنبياء، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [1] وقال تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ) [2] وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا
(1) (العنكبوت: 69)
(2) (المائدة: 15،16)