فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 44

تبرع بماله أو وهبه فقد انفصلت ذمته، وانتقلت إلى غيره في حدود ذلك المال، أو بمعنى أخر أن الشخص قد تنازل عن ذمته لغيره.

-رأينا في تلك المقارنة:

تلك هي المقارنة التي أجريناها بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي حول العلاقة بين أهلية الوجوب والذمة، وندرك أن هناك علاقة ترابط قوية بين المصطلحين، فأهلية الوجوب تعني العناصر المكونة للصلاحية، أي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق والتحمل بالواجبات، أو كما في مفهوم فقهاء الشريعة الإسلامية، صلاحية الشخص اللالزام والالتزام، والذمة هي الوعاء الذي تفرغ فيه تلك العناصر، وتخرج منه، وقد توجد ـ العناصر ـ ولا يوجد الوعاء ـ كما عرفنا عند الكلام عن أهلية الجنين الذي له أهلية وجوب ناقصة يكسب الحقوق ولا يتحمل الالتزامات.

وإذا ما أردنا أن نحدد أي الفقهيين كان أكثر دقة في تحديد العلاقة بين أهلية الوجوب والذمة، ندرك من خلال استعراضنا لذلك أن شراح القانون قد اقتبسوا نظرياتهم من قواعد الفقه الإسلامي، سواء فيما يتعلق بالنظرية التقليدية أو النظرية الحديثة، وإذا رجعنا إلى صلب الموضوع نعرف ذلك من خلال الأفكار التي بنيت عليها تلك النظريات، فأصحاب النظرية التقليدية يقولون بوحدة الذمة، وهو ما جاء في القواعد الفقهية، واصحاب النظرية الحديثة، يقولون بعدم انتقال الذمة إلى الوارث إلا بشرط الجرد، وهو ما جاءت به القواعد الفقهية أيضًا، وهكذا في كل القواعد التي بنيت عليها النظريتان. ولعلنا نلاحظ أن القانونيين حصروا الذمة في الأمور المالية فقط، في حين أن فقهاء الشريعة الإسلامية جعلوا لمدلول الذمة معنى واسع وأشمل، إذ تدخل في الذمة كل العناصر التي يتحملها الشخص أو يكتسبها سواء كانت مالية أو غير مالية بما في ذلك الحقوق الاجتماعية والسياسية والدينية والأخلاقية وهو ما يجعلنا نقول أن الذمة في المفهوم الإسلامي أشمل وأوسع وأكمل في تحقيق الائتمان في التعامل وندلل على قولنا بما يلي:

1.أن حصر الذمة في الأمور المالية فقط يفسح المجال أمام الأشخاص بالتنصل والتلاعب بالأمور غير المالية كالحقوق القانونية والسياسية والاجتماعية وكافة الأمور غير المالية مما يؤدي بالإضرار بالمصلحة العامة في المجتمع.

2.هناك حقوق مهمة تكون الذمة مثقلة بها وهي ليست مالية مثل حق الوالدين في الإبرار بهما، وحق مراعاة الجوار وحق التقيد بالنظام العام والآداب العامة وكثير من الحقوق غير المالية تكون الذمة منقلة بها وملتزمة بتنفيذها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت