الصفحة 40 من 75

(ضارب زيد عمرًا) فيه نسبة للضرب إلى زيد متعلقًا بعمرو نسبة صريحة، وفيه نسبة للضرب إلى عمرو متعلقًا بزيد نسبة متضمنة، ومن أجل التعلق بآخر فإن غير المتعدي إذا نقل إلى فاعل جاء متعديًا نحو كارمته فإن أصله لازم وقد تعدى بعد نقله. والمتعدي إلى مفعول واحد إن لم يصلح مفعوله لمشاركة الفاعل في المفاعلة فإنه لابد من الإتيان له بمفعول مشارك لفاعله وبذا يصير الفعل متعديًا إلى مفعولين، نحو: جاذبته الثوب، فإن مفعول جذب وهو الثوب لا يصلح لمشاركة الفاعل. أما في حالة صلاحيته فيكتفى به، ويظل الفعل متعديًا إلى مفعول واحد، نحو: شاتمت زيدًا [1] .

رابعًا: بناء الفعل على استفعل

جاء في الممتع"استفعل: تكون متعدية وغير متعدية. فالمتعدية، نحو (استحسنت الشيء) وغير المتعدية نحو (استقدم) و (استأخر) . وتكون مبنية من فعل متعد وغير متعد. فالمبنية من متعد نحو (استعصم) و (استعلم) هما مبنيان من (عصم) و (علم) . والمبنية من غير المتعدي نحو: (استحسن) و 0 استقبح) هما مبنيان من (حسن) و (قبح) " [2] .

خامسًا: بناء الفعل على وزن المغالبة

مر بنا أن (فاعل) يدل على المشاركة وهذا معنى قول سيبويه:"اعلم أنك إذا قلت فاعلته، فقد كان من غيرك إليك مثل ما كان منك إليه حين قلت (فاعلته) [3] . ويبنى على هذا البناء من الأفعال ما أصولها متعدية أو لازمة مثل (ضارب) من المتعدي (ضَرَبَ) و (كارم) من اللازم (كَرُمَ) ."

فإذا أريد التعبير عن غلبة الفاعل"فالغالب من ذا يقع على فعَل يَفْعُل" [4] . وقد كان تعبير سيبويه عن ذلك قوله:"فإذا كنت أنت فعلت قلت: كارمني فكَرمته، واعلم أن يَفْعَل من هذا الباب على مثال يَخْرُج" [5] . واستثنى سيبويه بعض الأفعال قال:"إلا ما كان من الياء مثل رميت وبعت، وما كان من باب وعد فإن ذلك لا يكون إلا على أفعِله؛ لأنه"يختلف ولا يجيء إلا على يًفْعِل". ويذهب إلى أن هذا البناء لا يطرد في كل فعل، قال:"وليس في كل شيء يكون هذا. ألا ترى أنك لا تقول: نازعني فنَزعته، استُغني عنها بغلبته وأشباه ذلك" [6] ."

وربما جاء المضارع على (يَفْعَل) ، جاء في الخصائص"وحكى الكسائي: فاخرني ففخَرْتُه أفخَرُه -بفتح الخاء- وحكاها أبو زيد أَفْخُرُه-بالضم-" [7] . واستغرب ابن جني إجماع العرب على مجيء عين مضارع فعلته إذا كان من فاعلني مضمومة البتة [8] .

ووجه الاستغراب هو خص المضارع بالضم. والقياس عنده مجيء مضارع فعَل المتعدي بالكسر نحو: ضرَب يضرِب. وذلك أنه يذهب إلى أنهم بنوا مضارع ما ماضيه على فعَل على يفعُل ويفعِل؛ لأن كل واحدة من الضمة والكسرة مخالفة للفتحة، وهو يرى أنى (يفعُل) فيما ماضيه فعَل في غير المتعدي أقيس من يفعِل، فضرب يضرِب أقيس من قتَل يقتُل، وقعَد يقعُد أقيس من جلَس يجلِس، والسبب عنده أن يفعُل إنما هي في الأصل لما لا يتعدى، نحو كرُم يكرُم [9] . فكان الأولى -مادام هناك إمكانان- اختيار ما يقتضيه القياس في مضارع فعَل وهو يفعِل [10] .

وعلة ذلك عنده"أن هذا موضع معناه الاعتلاء والغلبة، فدخله بذلك معنى الطبيعة والنحيزة التي تغلب ولا تغلب، وتلازم ولا تفارق. وتلك الأفعال بابها فعُل: يفعُل، نحو: فقُه يفقُه إذا أجاد الفقه، وعلُم يعلُم إذا أجاد العلم. وروينا عن أحمد بن يحيى عن الكوفيين ضرُبت اليد يدُه، على وجه المبالغة"، ثم قال"فلما كان قولهم كارمني فكرَمته أكرُمه وبابه صائر إلى معنى فعُلت أفعُل أتاه الضم من هناك" [11] . وأثار ابن جني سؤلًا في هذا المقام وأجاب عنه فقال:"فإن قلت فهلا لما دخله هذا المعنى تمموا فيه الشبه، فقالوا ضرُبته أضرُبه، وفخُرته أفخُره ونحو ذلك؟ قيل: منع من ذلك أن فعُلت لا يتعدى إلى المفعول به أبدًا، ويفعُل قد يكون في"

(1) مجموعة الشافية، 1: 47 - 48.

(2) ابن عصفور، الممتع في التصريفن 1: 194.

(3) سيبويه، الكتاب، 4: 68.

(4) المبرد، المقتضب، 2: 105.

(5) سيبويه، الكتاب، 4: 68.

(6) سيبويه، الكتاب، 4: 68.

(7) ابن جني، الخصائص، 2: 223.

(8) ابن جني، الخصائص، 2: 223.

(9) ابن جني، الخصائص، 1: 379.

(10) ابن جني، الخصائص، 2: 224.

(11) ابن جني، الخصائص، 2: 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت