الصفحة 63 من 75

امتناع جواز السكوت على الفاعل في باب ظننت وعلمت. وحكى الشيخ (أبوالحسين) أن الشيخ أبا علي كان يحتج له بأنهم قد أجروا هذه الأفعال مجرى القسم، فأجابوها بما يجاب به القسم في نحو قوله تعالى {وَظَنُّوا مَالَهُم مِّن مَّحِيصٍ} [48 - فصلت] . وقول الشاعر:

وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَتَاتِيَنَّ مَنِيَّتِي ... إِنَّ الْمَنَايَا لاَ تَطِيشُ سِهَامُهَا

فكما أنه لا يجوز أن يقتصر على القسم ويسكت عن المقسم عليه، فكذلك لا يسوغ أن يذكر الفاعل في هذه الأفعال من غير المفعول فهذا تقريب" [1] ."

ورد الجرجاني هذا القول مرجحًا قول سيبويه، ذاهبًا إلى أن جواز السكوت على الفاعل ليس من جهة إجازته في وضع واستعمال، وإنما ذلك شيء أجازته الحقيقة من حيث أن الفائدة تحصل بالخبر والمخبر عنه، فما تجاوز ذلك فهو زيادة. وبالنظر إلى هذه الأفعال نجد السكوت على فاعلها مستعمل في نحو (من يسمعْ يخلْ) ، ونحو قول أحد المحدثين وهو أبو فراس الحمداني:

وَلَقَدْ ظَنَنْتُ بِكَ الظُّنُو ... نَ؛ لأَنَّهُ مَنْ ضَنَّ ظَنَّا

وفي قوله تعالى {وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ ?لسُّوءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} [12 - الفتح] والظن في هذه الآية مصدر وليس بمفعول. والوجه في قول أبي الحسن واحتجاج الشيخ أبي على حمله على الأغلب، أي أن هذه الأفعال لما كانت تفيد اعتراض أمر من الأمور في الخاطر على حد الترجح بين الكينونة وعدمها أو تقرره أو ثباته في النفس، وجب أن يكون ذلك الأمر مذكورًا لتحصل الفائدة. كما أن القسم لما كان يؤتى به لتوكيد أمر لزم ذكر ذلك، ولكن إذا حصلت الفائدة دون ذكر ما تتناوله الأفعال. جاز والقسم المحتج به يذكر فعله من غير جواب في نحو: فعلان يحلف في اليوم ألف مرة [2] .

ورد ابن عصفور بأن العرب لا تضمنها معنى القسم على اللزوم، وإذا امتنع الحذف بدخول معنى القسم فما يمنع من حذفهما إذا لم يتضمن معنى القسم [3] .

الثالث: مذهب الأعلم وهو يفرق بين الأفعال فيجوزه مع ظن وما في معناها ويمنعه مع علم وما في معناها. وحجة الأعلم ومن أخذ بمذهبه"أن كل كلام مبني على الفائدة، فإذا لم توجد فائدة لم يجز التكلم به، قال: فإذا قلت: ظننت، كان مفيدًا؛ لأن الإنسان قد يخلو من الظن فيفيدنا بقوله ظننت، كان مفيدًا لأن الإنسان قد يخلو من الظن فيفيدنا بقوله ظننت، أنه قد وقع منه ظن، وإذا قلت: علمت كان غير مفيد لأنه معلوم أن الإنسان لا يخلو من علم، إذ له أشياء يعلمها بالضرورة كعلمه أن الاثنين أكثر من واحد" [4] .

وردّ ابن عصفور هذا بقوله:"وهذا الذي ذهب إليه فاسد بل الصحيح أنه يجوز: علمت وتحذف المفعولين حذف اقتصار؛ لأن الكلام إذا أمكن حمله مع ما فيه فائدة كان أولى. فإذا قال: علمت، علمنا أنه أراد أنه وقع منه علم ما لم يكن يعلم إذ حمله على غير ذلك غير مفيد" [5] .

ثم تحدث ابن عصفور عن حذف أحد المفعولين، فأما الحذف اختصارًا فجوزه على قلة واستشهد بقول عنترة:

وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلاَ تَظُنِّي غَيْرَهُ ... مِنِّي بِنْزِلَةِ الْمُحِبِّ الْمُكْرَمِ

تقديره فلا تظني غيره كائنًا أو واقعًا."أما الاقتصار فلا يجوز أصلًا ولا خلاف في منعه بين أحد من النحويين" [6] .

وسبب المنع هو ما يقوله سيبويه من"أنك إنما أردت أن تبين ما استقر عندك من حال المفعول الأول يقينًا أو شكًّا، وذكرت الأول لتعلم الذي تضيف إليه ما استقر له عندك من هو" [7] .

وقال المبرد"ولا يجوز الاقتصار على بعض مفعولاتها دون بعض لأن المعنى يبطل العبارة عنه؛ لأن المفعولين ابتداء وخبر والمفعول الأول كان فاعلًا فألزمه ذلك الفعل غيره، وصار كقولك دخل زيد في الدار وأدخلته إياها أنا" [8] .

جاء في الكتاب"هذا باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين، ولا يجوز أن تقتصر على مفعول منهم واحد دون الثلاثة، لأن المفعول ههنا كالفاعل في الباب الأول الذي قبله في المعنى، وذلك قولك: أرى الله بشرًا زيدًا أباك، ونبّأت زيدًا عمرًا أبا فلان، وأعلم الله زيدًا عمرًا خيرًا منك" [9] ."وهو من باب الفعل المتعدي إلى مفعولين ولكنك جعلت الفاعل في ذلك الفعل مفعولًا بأنه كان يعلم فجعل غيره أعلمه" [10] . وقال أبوعلي الفارسي:"هذا الباب منقول بالهمزة أو بتضعيف العين في الفعل الذي"

(1) الجرجاني، المقتصد، 1: 609.

(2) الجرجاني، المقتصد، 1: 609 - 611.

(3) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 311.

(4) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 311.

(5) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 311.

(6) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 311.

(7) سيبويه، الكتاب، 1: 40.

(8) المبرد، المقتضب، 3: 122.

(9) سيبويه، الكتاب، 1: 41.

(10) المبرد، المقتضب، 3: 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت