الصفحة 55 من 75

ولا كل فعل يتعدى إلى مفعولين، بل منه ما يتعدى إلى مفعول ومنه ما يتعدى إلى مفعولين" [1] ."

وحاول السهيلي أن يضع ضابطًا لتحديد ما ينقل من الأفعال سواء من اللازم إلى المتعدي أم من المتعدي لواحد إلى المتعدي إلى اثنين، قال:"ولكني أشير لك إلى أصل ينبني عليه هذا الباب، وهو أن تنظر إلى كل فعل حصل منه في الفاعل صفة ما فهو الذي يجوز فيه النقل، لأنك إذا قلت: أفعلته، فإنما معناه: جعلته على هذه الصفة. وقلما ينكر هذا الأصل في غير المتعدي إذا كان ثلاثيًّا، نحو: قعد وأقعدته، وطال وأطلته" [2] .

رأينا أن النحويين قسموا الفعل المتعدي إلى مفعولين قسمين رئيسيين أحدهما: الأفعال التي يجوز الاقتصار منها على مفعول واحد. والآخر: الأفعال التي لا يجوز الاقتصار معها على مفعول. وربما قسمت على أساس آخر وهو أفعال تنصب مفعولين ليسا في الأصل (مبتدأً وخبرًا) ، وأفعال تنصب مفعولين أصلهما (مبتدأ وخبر) . وسوف نبدأ بالكلام على النوع الأول ثم الثاني.

لم يشر سيبويه في كلامه على ما يتعدى إلى مفعولين ليس أصلهما مبتدأً وخبرًا؛ إلى أن هذه الأفعال يختلف بعضها عن بعض، ولكنا ندرك ذلك من ضربه للأمثلة، حيث مثل بالفعلين أعطى وكسا، ثم فرع على ذلك بقوله"ومن ذلك"وذكر أفعالًا مثل (اختار) و (استغفر) وذكر أن مثل هذه الأفعال تتعدى إلى المفعول الثاني بحذف حرف الجر [3] .

ولكنا نجد في فترة لاحقة من عمر النحو العربي محاولة لتقسيم أفعال هذا النوع، نجد ذلك عند ابن بابشاذ حيث يقسمها إلى ما يأتي:

1 -أصله التعدي إلى اثنين: كسوت زيدًا جبة.

2 -أصله التعدي إلى واحد ثم دخلت الهمزة فعدته إلى آخر، مثل: أعطيت زيدًا درهمًا. أصله من عطوت زيدًا. يقال: عطوت إذا تناولت. وعطوته: إذا ناولته. ثم أدخلت الهمزة فعديته إلى مفعول آخر على حدّ: ضربت زيدًا وأضربت زيدًا عمرًا.

3 -ومنها ما يتعدى إلى واحد وإلى آخر بحرف جر، ثم اتسع في حرف الجر بالحذف فتسلط الفعل على ذلك المفعول فنصبه [4] .

وإذا علمنا أن الفعل يتعدى إلى اثنين بالتضعيف فإنه يكون لنا بذلك قسم رابع، هو ما أصله التعدي إلى واحد ثم عدي بتضعيف العين [5] .

والفرق بين الأفعال المنقولة والمعداة بإسقاط حرف الجر، أن المفعول الأول في المنقولة فاعل في الثاني، فالمتعدي إلى مفعولين عند السيرافي يشتمل على وجهين من التعدي: الأول"أن يتعدى الفعل إلى مفعولين وأحد المفعولين فاعل، والآخر يكون مفعولًا يصل إليه من غير توسط حرف جر وذلك قولك: أعطى عبدالله زيدًا درهمًا. وذلك أن زيدًا قد أخذ الدرهم وهو فاعل به الأخذ" [6] .

والثاني"أن يتعدى الفعل إلى مفعول بغير حرف جر ويتصل بآخر، ولم يكن المفعول في الأصل فاعلًا بالذي فيه حرف الجر، فنُزع حرف الجر من الثاني فيصل الفعل إليه. وذلك قولك: اخترت الرجال عبدالله" [7] .

والنحويون يختلفون في موقفهم التصنيفي من هذه الأفعال فنجد أن الفعل (كسا) منقول عند ابن جني بالمثال [8] ولكنه عند ابن بابشاذ مما وضع أصلًا على التعدي إلى اثنين [9] ... والفعلان (أعطى) و (كسا) جعلا عند سيبويه في حيز واحد على ما يظهر، ولذا عالجهما السيرافي من بعده معالجة واحدة [10] . وعد السهيلي الفعل (أعطى) منقولًا من الفعل (عطا) ويرى أن معنى الفعل (عطا) "أشار للتناول وليس معناه الأخذ" [11] وهذا بخلاف ما ذهب

(1) السيرافي، شرح الكتاب، 3: 259.

(2) السهيلي، نتائج الفكر، ص 327.

(3) سيبويه، الكتاب، 1: 37.

(4) ابن بابشاذ، شرح المقدمة المحسبة، ص 360.

(5) الرضي، شرح الكافية، 2: 274.

(6) السيرافي، شرح الكتاب، 3: 250.

(7) السيرافي، شرح الكتاب، 3: 251.

(8) ابن جني، الخصائص، 2: 214.

(9) ابن بابشاذ، شرح المقدمة المحسبة، ص 360.

(10) السيرافي، شرح الكتاب، 3: 250 - 251.

(11) السهيلي، نتائج الفكر، ص 328.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت