قال - رحمه الله:
ثم تمضي القصة في مشهد جديد من مشاهدها ; فتعرض هذه العذراء الحائرة في موقف آخر أشد هولا:
*فحملته فانتبذت به مكانا قصيا. فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ; قالت: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا*. .
وهذه هي الهزة الثالثة. .
إن السياق لا يذكر كيف حملته ولا كم حملته. هل كان حملا عاديا كما تحمل النساء وتكون النفخة قد بعثت الحياة والنشاط في البويضة فإذا هي علقة فمضغة فعظام ثم تكسى العظام باللحم ويستكمل الجنين أيامه المعهودة ? إن هذا جائز. فبويضة المرأة تبدأ بعد التلقيح في النشاط والنمو حتى تستكمل تسعة أشهر قمرية , والنفخة تكون قد أدت دور التلقيح فسارت البويضة سيرتها الطبيعية. . كما أنه من الجائز في مثل هذه الحالة الخاصة أن لا تسير البويضة بعد النفخة سيرة عادية , فتختصر المراحل اختصارا ;
ويعقبها تكون الجنين ...
ليس في النص ما يدل على إحدى الحالتين. فلا نجري طويلا وراء تحقيق القضية التي لا سند لنا فيها. . . فلنشهد مريم تنتبذ مكانا قصيا عن أهلها , في موقف أشد هولا من موقفها الذي أسلفنا. فلئن كانت في الموقف الأول تواجه الحصانة والتربية والأخلاق , بينها وبين نفسها , فهي هنا وشيكة أن تواجه المجتمع بالفضيحة. ثم هي تواجه الآلام الجسدية بجانب الآلام النفسية. تواجه المخاض الذي*أجاءها*إجاءة إلى جذع النخلة , واضطرها اضطرارا إلى الاستناد عليها. وهي وحيدة فريدة , تعاني حيرة العذراء في
أول مخاض , ولا علم لها بشيء , ولا معين لها في شيء. . فإذا هي قالت: *يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا*فإننا لنكاد نرى ملامحها , ونحس اضطراب خواطرها , ونلمس مواقع الألم فيها. وهي تتمنى لو