فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 96

لقد حصر جميع المفسرين القدامى والمحدثين نظرهم في تلك الواقعة الأخيرة. فأما الذين ساروا وراء الإسرائيليات فقد رووا أساطير كثيرة يصورون فيها يوسف هائج الغريزة مندفعا شبقا , والله يدافعه ببراهين كثيرة فلا يندفع! صورت له هيئة أبيه يعقوب في سقف المخدع عاضا على أصبعه بفمه! وصورت له لوحات كتبت عليها آيات من القرآن -

أي نعم من القرآن! - تنهي عن مثل هذا المنكر , وهو لا يرعوي! حتى أرسل الله جبريل يقول له: أدرك عبدي , فجاء فضربه في صدره. . إلى آخر هذه التصورات الأسطورية التي سار وراءها بعض الرواة وهي واضحة التلفيق والاختراع!

وأما جمهور المفسرين فسار على أنها همت به هم الفعل , وهم بها هم النفس , ثم تجلى له برهان ربه فترك.

وأنكر المرحوم الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار على الجمهور هذا الرأي. وقال: إنها إنما همت بضربه نتيجة إبائه وإهانته لها وهي السيدة الآمرة , وهم هو برد الاعتداء ; ولكنه آثر الهرب فلحقت به

وقدت قميصه من دبر. . وتفسير الهم بأنه هم الضرب ورد الضرب مسألة لا دليل عليها في العبارة , فهي مجرد رأي لمحاولة البعد بيوسف عن هم الفعل أو هم الميل إليه في تلك الواقعة. وفيه تكلف وإبعاد عن مدلول النص.

أما الذي خطر لي وأنا أراجع النصوص هنا , وأراجع الظروف التي عاش فيها يوسف , في داخل القصر مع هذه المرأة الناضجة فترة من الزمن طويلة , وقبل أن يؤتى الحكم والعلم وبعدما أوتيهما الذي خطر لي أن قوله تعالى:

*ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه*. .

هو نهاية موقف طويل من الإغراء , بعدما أبى يوسف في أول الأمر واستعصم. . وهو تصوير واقعي صادق لحالة النفس البشرية الصالحة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت