لقد حصر جميع المفسرين القدامى والمحدثين نظرهم في تلك الواقعة الأخيرة. فأما الذين ساروا وراء الإسرائيليات فقد رووا أساطير كثيرة يصورون فيها يوسف هائج الغريزة مندفعا شبقا , والله يدافعه ببراهين كثيرة فلا يندفع! صورت له هيئة أبيه يعقوب في سقف المخدع عاضا على أصبعه بفمه! وصورت له لوحات كتبت عليها آيات من القرآن -
أي نعم من القرآن! - تنهي عن مثل هذا المنكر , وهو لا يرعوي! حتى أرسل الله جبريل يقول له: أدرك عبدي , فجاء فضربه في صدره. . إلى آخر هذه التصورات الأسطورية التي سار وراءها بعض الرواة وهي واضحة التلفيق والاختراع!
وأما جمهور المفسرين فسار على أنها همت به هم الفعل , وهم بها هم النفس , ثم تجلى له برهان ربه فترك.
وأنكر المرحوم الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار على الجمهور هذا الرأي. وقال: إنها إنما همت بضربه نتيجة إبائه وإهانته لها وهي السيدة الآمرة , وهم هو برد الاعتداء ; ولكنه آثر الهرب فلحقت به
وقدت قميصه من دبر. . وتفسير الهم بأنه هم الضرب ورد الضرب مسألة لا دليل عليها في العبارة , فهي مجرد رأي لمحاولة البعد بيوسف عن هم الفعل أو هم الميل إليه في تلك الواقعة. وفيه تكلف وإبعاد عن مدلول النص.
أما الذي خطر لي وأنا أراجع النصوص هنا , وأراجع الظروف التي عاش فيها يوسف , في داخل القصر مع هذه المرأة الناضجة فترة من الزمن طويلة , وقبل أن يؤتى الحكم والعلم وبعدما أوتيهما الذي خطر لي أن قوله تعالى:
*ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه*. .
هو نهاية موقف طويل من الإغراء , بعدما أبى يوسف في أول الأمر واستعصم. . وهو تصوير واقعي صادق لحالة النفس البشرية الصالحة في