فمَثل الإيمان فيه كمثل شجرة يمدها ماء طيب ومثل النفاق مثل قرصة يمدها قيح ودم فأيهما علا عليه غلب] رواه أحمد وصححه الألباني. وما قاله حذيفة موافقًا لقوله تعالي هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ [آل عمران:167] كان فيهم نفاق كثير فلما كان يوم أحد غلب نفاقهم فصاروا إلي الكفر أقرب.
كما رُوى عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب فكلما ازداد العبد نفاقًا ازداد القلب سوءًا حتى إذا استكمل النفاق اسود القلب و الله لو شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب المنافق والكافر لوجدتموه أسود وقال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل ولهذا قال يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فعُلم أنه من كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخُلد في النار وإن كان معه كثير من النفاق فهو يعذب في النار علي قدر ما معه من ذلك ثم يخرج من النار.
فالواجب علي كل من دخل في الإسلام الخوف علي نفسه من النفاق أسوة بأصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم وهم من خير البشر فقد روي عن الحسن رضي الله عنه قوله عن النفاق: ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق كما قال أيضا: ما مضى مؤمن قط ولا بقى إلا وهو من النفاق غير آمن وما مضى منافق قط ولا بقى إلا وهو من النفاق آمن وروي البخاري في صحيحه عن ابن أبي مليكه قال أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلي الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق علي نفسه ما منهم أحد يقول: إيمانه كإيمان جبريل.
الفصل السابع
صفات المنافقين:
أولا: خُلف العهد مع الله عز وجل
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم [آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان] متفق عليه وفي رواية لمسلم وإن صام وصلي وزعم إنه مسلم وأغلبية الناس يطبّقون هذا الحديث فقط علي معاملات البشر بعضهم لبعض وينسون أن يطبقوه علي علاقة البشر بربهم وإن من أكبر أنواع الكذب وخُلف الوعد وخيانة الأمانة هو نقض عهد الله وميثاقه وعدم الإذعان لأوامره فإن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله تلزم كل من نطق بها أن ينفذ ما أمره الله ورسوله به وأن ينتهي عن ما نهي الله ورسوله عنه كما قال تعالي
وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [النور:47] وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ [النور:48] وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [النور:49] أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [النور:50] إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:51] وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور:52] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لَّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [النور:53] }
يخبر تعالي أن المنافقين يُعرضون متى عَرفوا أن الحق لغيرهم أما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا عن الأعراض وأذعنوا