يخبر تعالى عن المجرمين أنهم كانوا في الدنيا يستهزئون من المؤمنين ويحتقرونهم وإذا مروا بهم يتغامزون عليهم محتقرين
لهم وإذا رجع المجرمون إلى منازلهم كانت فكاهتهم هي بالسخرية بالمؤمنين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون أي لكونهم على غير دينهم وما أرسل هؤلاء المجرمون حافظين على المؤمنين يحفظون ما يصدر منهم من أعمال وأقوال ولا كلفوا بهم؟ فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم كما قال تعالى
قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108] إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون:109] فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ [المؤمنون:110] إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [المؤمنون:111] }
فيوم القيامة يسخر الذين آمنوا بالله ورسوله من الكفار كما سخر الكافرون منهم في الدنيا على المجالس الفاخرة ينظر المؤمنون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة والنعيم في الجنة ومن أعظم ذلك النظر إلى وجه الله الكريم.
سبق أن ذكرنا بأن المنافقين قد استحوذ عليهم الشيطان وسيطر علي عقولهم وقلوبهم إتباعا لشهواتهم وتصوروا أن الحدود التي فرضها الدين قيودا علي حرياتهم وتصرفاتهم فانقلبت معايير الأمور لديهم فأصبح المعروف لديهم منكرا والمنكر معروفا كما قال تعالي
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [التوبة:67] وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [التوبة:68] }
ولأن المنافقين يحبون المنكر ويكرهون المعروف فإنهم يكرهون ظهور الحق كما قال تعالي لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:48] }
عاشرا: موالاة الكفار
إن المنافقين لا يثقون في وعد الله بتمكين المؤمنين في الأرض كما قال تعالي وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور 55]
وغالبا يكون المؤمنون الأقل في القوة المادية من أعدائهم ويعتمدون في مواجهاتهم لأعدائهم بعد أخذ الأسباب علي تأييد الله عز وجل ونصره لهم لقوله تعالي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] } كما يشهد بذلك تاريخ المسلمين منذ الهجرة النبوية الشريفة إلي المدينة المنورة إلى انتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ولكن المنافقين لا يؤمنون بغير الماديات ولا يقيمون للإيمان بالله واليقين بنصره وزنا. ولذا