الصفحة 42 من 45

كل عيب عملًا بالشرط، والثالث: لا يبرأ عن عيب ما؛ للجهل بالمبرأ منه وهو القياس، وللمشتري مع هذا الشرط الرد بعيب حدث بعد العقد قبل القبض؛ لانصرافِ الشرط إلى الموجود عند العقد، ولو شرط البراءة عما يَحدث لم يصح في الأصح؛ لأنَّه إسقاط للشيء قبل ثبوته، فلم يَسقط كما لو أبرأه عن ثَمن ما يبيعه له، والثاني يصح بطريق التَّبَع، ولو شرط البراءة من عيب عينه، فإنْ كان مِمَّا يعاين كالبرص، فإن أراه قدره وموضعه برئ منه قطعًا، وإلاَّ فهو كشرط البراءة مُطلقًا، فلا يبرأ منه على الأظهر؛ لتفاوُت الأغراض باختلاف قدره وموضعه، وإن كان مما لا يعاين كالزنا والسرقة أو الإباق، برئ منه قطعًا؛ لأنَّ ذكرها إعلام بها. [1]

وعند الحنابلة قال ابن قدامة: واختلفت الرِّواية عن أحمد في البراءة من العيوب، فإذا اشترط البائع البراءة من كلِّ عيب، لم يبرأ؛ لأنَّ البراءةَ مرفقٌ في البيع لا يثبت إلا بالشرط، فلم يثبت مع الجهالة كالأجل، الرواية الثانية: يبرأ إلاَّ أن يكون البائع علم بالعيب فكتمه، واستدل بحديث ابن عمر السابق، ويتخرج عنها أنَّه يبرأ مُطلقًًا بناءً على قوله في صحة البراءة من المجهول، ولأنَّه إسقاطُ حقٍّ من مجهول لا تسليم فيه، فصح كالعتاق.

وإنْ قلنا: لفساد الشرط فالبيع صحيح؛ لأن ابنَ عمر باع بشرط البراءة، فأجمعوا على صحته، ويتخرج فسادُه بناء على الشروط الفاسدة.

العيب الذي لا يطلع عليه إلاَّ بإحداث عيب آخر: وهذا يكون فيما يؤكل باطنه فقط دون ظاهره، كالجوز واللوز والبيض والبطيخ، فإن المشتري لا يعرف عيبَها إلا بكسرها، والكسر عيب، فإذا وجده كله فاسدًا، كان البيع باطلًا بالاتِّفاق؛ لأنَّ مَحل العقد هو أنَّه ليس بمال، فيرجع بكل الثمن، وإذا وجد بعضه فاسدًا وهو قليل لا يعد عيبًا في عرف الناس، لا يرجع بشيء بالاتفاق والعقد صحيح؛ لأنَّ الأشياء لا تَخلو في الغالب عن مثله، وأمَّا إذا وجد البعض فاسدًا، ويُعَدُّ في عرف الناس عيبًا، فاختلف الفقهاء فيه، فذهب محمد وأبو يوسف وأحمد إلى أنَّ العقدَ يصِحُّ في الصحيح، ويبطل في الفاسد، فيرد الفاسد، ويرجع بحصته من الثمن، ولا يرد الكل، وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ البيع يبطل في الكل، ويثبت الشافعي الخيارَ للمشتري بين الرد والرجوع بكل الثمن وبين إبقائه وعدم

(1) "مغني المحتاج"، (2/ 53، 54) ، و"المهذب"، (1/ 288) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت