يجعلون الله عز وجل أعظم آلهتهم وأعلاها وأجلّها ويزعمون أنهم ما يعبدون هذه الآلهة إلا لتقرِّبهم إلى الإله الأعظم الذي في السماء، حتى كانت تلبية بعضهم التي يهلون بها في الحج:
لبيك اللهم لبّيك ... لبّيك لا شريك لك
إلا شريكًا هو لك ... تملكه وما ملك
أما مشركوا الدستور؛ فإنهم وإن سلّموا بأن الله هو الرزّاق وهو محي الموتى وهو الذي ينزل المطر من السماء وينبت الكلأ وهو يشفي ويهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوِّجهم ذكرانًا وإناثًا ويجعل من يشاء عقيمًا، نعم هم يؤمنون بأنّ الأمر في ذلك كله له وليس لملكهم أو أميرهم لكن التّشريع والأمر والحكم النافذ عندهم فوق كل حكم وتشريع هو في الحقيقة لمليكهم طاغوتهم أو إلههم الذي في الأرض.
فهم في الشرك مثل كفار قريش، إلا أنهم زادوا على كفر أولئك أنهم يعظمون أمر وحكم وتشريع آلهتهم وأربابهم المتفرقة في الأرض أكثر من تعظيم الله وحكمه وتشريعه.
فتباًّ وسحقًا سحقًا لمن كان أشد كفرًا من أبي جهل وأبي لهب، {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
واعلم أن أبواب شرك هؤلاء القوم وكفرهم البواح عديدة وكثيرة، لو أخذنا في عدِّها واستقصائها لطال بنا المقام فهم لم يتركوا نوعًا من أنواع الكفر إلا وقد ولغوا فيه، ولكن فيما ذُكر كفاية لمن أراد الهداية، أما من ختم الله على قلبه فلو انتطحت الجبال بين يديه لما انتفع أو اهتدى.
والذي نُريد أن نُعرِّف الموحد به هنا؛ أن كفر القوم لا يتوقف على باب واحد حتى يُردّ بشبهة أو بقولة، فالقوم قد مُلئوا شركًا وكفرًا إلى مشاشتهم.
والمهمّ هنا في هذا الموضع أن تعرف؛ أن باب الإشراك في التشريع، ليس هو باب ترك الحكم بما أنزل الله لشهوة أو لهوى أحيانًا والذي يتنزل فيه القول المنسوب لابن عباس؛"كفر دون كفر"، ولا هو الباب الذي كان الخوارج يجادلون ابن عباس وغيره من الصحابة فيه، إذ لم يكن في زمن ابن عباس والخوارج من حكام المسلمين من يدّعي لنفسه حق التشريع مع الله، ولا كان فيهم من مارس التشريع ولو في مسألة واحدة، إذ هذا عندهم كفرٌ بالإجماع.