فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 172

بالدراسة عن طريق الآلات، وليست بالخصائص نفسها. إن علاقة الدراسة عن طريق الآلات بالخصائص الحقيقية للأشياء تشبه علاقة رقم التليفون بصاحبه"."

ما هذه العلاقة الضعيفة جدًا بين الدراسات الطبيعية للأشياء وبين حقائق الأشياء؟

إن هذا العالم الطبيعي من كبار علماء القرن العشرين ليقلل كثيرًا من قيمة الادعاءات العريضة التي كان يدَّعيها الماديون، والتي كانوا يزعمون فيها أن العلوم الطبيعية قد بلغت بدراساتها معرفة حقائق الأشياء أو كادت تصل إليها. إن علماء اليوم المنصفين قد بدأوا ينقضون هذه الأقوال ويستخفونها، ويعتبرونها تجاوزًا كبيرًا للحدود التي بلغها علم الناس، وهؤلاء العلماء قد بدأوا يعلنون ما كان أعلنه القرآن عن مبلغ علم الناس بقوله تعالى في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول) :

{ ... وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} .

ويقول البروفيسور (آرثر إيدينجتين) أيضًا:

"إن حقيقة"أن العلم محدود بالمعلومات عن هيكل الأشياء"حقيقة ذات أهمية قصوى. إنها تؤكد أن الحقيقة الكاملة لا تزال غير معروفة. وفي ضوء هذه الحقيقة لا يمكن الزعم الآن بأن أحاسيسنا أو تجربة اتصال النبي بالله ليس لهما مثيل موضوعي (خارجي) وذلك لأنه من الممكن جدًا أن يكون هناك مثيل خارجي لهذه الأحاسيس، أو لتجربة النبي أو العارف بالله. ولم يعد من الممكن أن يقال عن أحاسيسنا الدينية أو الجمالية: إنها مجرد ظواهر خادعة كما كانوا يقولون بالأمس صلافة وتبجحًا، وبإيجاز: إن العارف المؤمن بالله المؤمن بالدين يمكنه أيضًا أن يعيش -كحقيقة- في الدنيا".

أليس هذا تراجعًا ظاهرًا في موقف العلم إلى مواقع الفكر الديني، وهذا التراجع أو التقدم في الحقيقة نتج عن واقع تقدم البحوث العملية الطبيعية، إن العلم الإنساني بدأ يتعرف على حدوده.

ولكن الماديين المتعصبين للنظرات التقليدية الإلحادية ما زالوا يجترون الادعاءات التبجحية السابقة، على الرغم من أن العلم المتطور قد أظهر فسادها، وتقدم خطوات مهمة في اتجاه مواقع الدين.

وعلى هذا باستطاعتنا أن نسمي الملاحدة الماديين رجعيين، لأنهم لا يسايرون تقدم العلم الصحيح.

على أن قضية التقدمية والرجعية من القضايا النسبية، فمن ابتعد عن الحق إلى جهة الباطل ثم رجع إلى الحق فهو رجعي فاضل كريم، ومن ابتعد عن جهة الباطل إلى جهة الحق ثم رجع إلى جهة الباطل فهو رجعي خسيس ذميم، ومن تابع تقدمه في جهة الحق فهو تقدمي بطل صاعد، ومن تابع تقدمه في جهة الباطل فهو تقدمي خبيث منحط، فالقضية في كل ذلك نسبية، تتبع السالك والجهة معًا، وكذلك الوراء والأمام، فالنازل من المعالي يكون الوادي أمامه وتكون القمة وراءه، ولو عقل لنظر إلى الوراء ورجع إليه، والصاعد إلى المعالي تكون القمة أمامه والوادي وراءه، وحينما يعقل يستمر في صعوده ولا يلتفت إلى الوراء ولا يرجع إليه.

وقد انتهى الرياضي والفيلسوف الإنكليزي (ألفرد نورث وهايت هيد) إلى"أن الطبيعة حية".

أي: ليست كما يزعم الماديون مجرد مادة تظهر الحياة فيها نتيجة تركيب آلي في عناصرها، وهذا اقتراب من المفاهيم الدينية التي تقرر أن الكون عمل موجود حي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت