ثم إن الفلكي الإنكليزي السير: (آرثر إيدينجتين) قد استنتج من دراسة العلوم:"أن مادة العالم مادة عقلية".
وكذلك الرياضي السير: (جيمس جينز) الذي يعتبر أعظم علماء العصر قد عبَّر عن الكشوف الجديدة بقوله:"إن الكون كون فكري".
إن العلماء الذين أدلوا بهذه الآراء هم علماء على درجة كبيرة من الأهمية في دنيا العلم، ويلخص البروفيسور (ج. و. ن. سوليفان) أفكارهم في الجملة التالية:
"إن الطبيعة النهائية للكون طبيعة عقلية".
أي: ليست كما يزعم الملحدون الماديون مجرد حركة عشوائية غير عاقلة ظهر عنها في بلايين القرون هذا النظام الكوني المشاهد، وهذه النتائج العلمية التي توصَّل إلهيا لعلماء تلغي بكل تأكيد الركائز الخيالية التي كان يستند إليها الملحدون، وتجعل العلم يقترب من الحقائق الدينية التي تقرر أن الكون عمل موجود عظيم قادر حي سميع بصير.
إن كتاب"عالم الأسرار"، للفلكي الرياضي البريطاني السير (جيمس جينز) يحتوي على أكثر المواد العلمية قيمة من هذه الناحية، وقد انتهى هذا العالم بعد مناقشة عملية بحتة إلى أن:
"الكون لا يقبل التفسير المادي في ضوء علم الطبيعة الجديد، وسببه -في نظري- أن التفسير المادي قد أصبح الآن فكرة ذهنية".
أي: وهذه الفكرة الذهنية لا يؤيدها واقع الكون. ويقول هذا العالم أيضًا:"إذا كان الكون كونًا فكريًا فلا بد أن خلقه كان عملًا فكريًا أيضًا".
هل يدرك الملحدون هذه الرجعة العلمية إلى الدين؟ أم يظلون في البقعة العمياء التي يقفون فيها فلا يتقدمون مع تقدم أضواء المعرفة؟
ويقول السير (جيمس جينز) أيضًا:
"من الصحيح أن نقول: إن نهر العلم قد تحول إلى مجرى جديد في الأعوام الأخيرة ..."
لقد كنا نظن قبل ثلاثين سنة - ونحن ننظر إلى الكون- أننا أمام حقيقة من النوع الميكانيكي. وكان يبدو لنا أن الكون يشتمل على ركام من المادة المبعثرة، وقد اجتمعت أجزاؤه بالصدفة، وأن عمل هذه المادة ينحصر في أن ترقص لبعض الوقت رقصًا لا معنى له، تحت تأثير قوى عمياء لا هدف لها، وأنه بعد نهاية الرقص ستنتهي هذه المادة في صورة كون ميت، وأن الحياة قد وجدت صدفة خلال عمل هذه القوى العمياء، وأن بقعة صغيرة جدًا من الكون قد نعمت بهذه الحياة، أو على سبيل الاحتمال يمكن أن توجد هذه الحياة في بقاع أخرى، وأن كل هذا سينتهي يومًا، وسيبقى الكون فاقد الروح.
ولكن توجد اليوم أدلة قوية تضطر علم الطبيعة إلى قبول الحقيقة القائلة بأن نهر العلم ينساب نحو حقيقة غير ميكانيكية.
إن الكون أشبه بفكر عظيم منه بماكينة عظيمة. إن (الذهن) لم يدخل إلى هذا العالم المادي كأجنبي عنه، ونحن الآن إلى مكان يجدر بنا فيه استقبال (الذهن) كخالق هذا الكون وحاكمه. إن هذا الذهن بلا شك ليس كأذهاننا البشرية، بل ذهن خلق الذهن الإنساني من"الذرة المادة"وهذا كله كان موجودًا في ذلك الذهن الكوني في صورة برنامج معد مسبقًا. إن العلم الجديد يفرض علينا أن نعيد النظر في أفكارنا عن العالم، تلك التي كنا أقمناها على عجل. لقد اكتشفنا أن الكون يشهد بوجود قوة منظمة أو مهيمنة، وهذه القوة تشبه أذهاننا إلى حد كبير،