ومن هذا يظهر لنا ارتفاع المؤاخذة عن الأخطاء التي تخرج عن دائرة سلطة الإرادة، مما لا يملك الإنسان دفعه، وأن المسؤولية رهن بما تعمدت القلوب من أعمال، وما تعمدته القلوب هو ما توجهت الإرادة لفعله.
فإذا أضفنا إلى هذا قول الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول) :
وقول الله تعالى في سورة (الطلاق/65 مصحف/99 نزول) :
وقوله الذي تكرر في (الأنعام والأعراف والمؤمنون) :
تبين لنا أن ورود التكليف يستلزم وجود الاستطاعة حتمًا، وأول عناصر الاستطاعة وجود الإرادة الحرة، وتبين لنا أن المؤاخذة ترتفع متى سلبت الإرادة، لأن التكليف يرتفع حكمًا عند سلبها، فلا يمكن أن يوجد في الواقع تناقض بين مقتضيات المشيئة الإلهية، وبين مقتضيات أمر التكليف الإلهي.
والرأي الجبري الفاسد يدَّعي سلب الإرادة مع أن التكليف متوجه، وأن المؤاخذة بعد ذلك متوجه، وهذا معارض للنصوص القرآنية، ومعارض لمنطق العقل وبديهته، وهذا الرأي الجبري هو ما استغله سيادة الناقد لنقض قضية الدين، مع أنه ليس هو الإسلام، ولا فهم جمهور المسلمين، وإنما هو رأي مرفوض تمامًا.
فكل نقاش بناه"الناقد"على هذا الرأي المرفوض نقاش ساقط لا قيمة له.
وكل الأقوال التي استشهد بها من أقوال الجبريين أقوال ساقطة مرفوضة، لا تمثل الحقيقة الإسلامية في هذا الموضوع، فلا حاجة إلى استعراضها وبيان فساد مضامينها، لأنها مبينة على فاسد، وكل ما بني على فاسد فهو فاسد.
ويسأل الجبريون فيقولون: هل يفعل العاصي إذن معصيته معاندًا لإرادة الخالق أم موافقًا لها؟
ونقول في الجواب: إن تصوير السؤال على هذا الوجه فيه مغالطة، فالقضية لا تقع فقط بين احتمالين اثنين، ولكنها تقع بين احتمالات ثلاثة وهي:
الاحتمال الأول: توجيه المشيئة الإلهية لإجبار المخلوق على الطاعة.