الاحتمال الثاني: توجيه المشيئة الإلهية لإجبار المخلوق على المعصية.
الاحتمال الثالث: توجيه المشيئة الإلهية لجعل المخلوق ذا إرادة حرة غير مجبرة.
وقد توجهت المشيئة الإلهية فعلًا إلى اختيار الاحتمال الثالث بالنسبة إلى الناس والجن، فاستحال أن تتوجه إلى أضدادها.
وحينما يختار المخلوق أمرًا مما جعل الله له فيه سلطة الاختيار فإن اختياره لذلك الأمر لا يعتبر بحال من الأحوال معاندًا لإرادة الله في كل شيء، لأن الله تعالى هو الذي أراد أن يمنحه سلطة الاختيار ليمتحنه، كما أنه لا يقتضي أن يكون الله جلَّ وعلا هو الذي أجبره على أن يختار هذا الاختيار، ولا يقتضي أيضًا أن يكون الله جلَّ وعلا راضيًا عن كل ما يختاره المخلوق ذو الإرادة الحرة.
ويظهر لنا هذا الموضوع تمامًا في تجاربنا الإنسانية، فإن من نمنحه حرية التصرف في عمل ما، قد يفعل ما يسرنا ويرضينا، وقد يفعل ما يسوؤنا ويغضبنا، مع إمكاننا أن نعزله عن ذلك العمل، ونسلبه حرية التصرف فيه، ولا يكون عمله معاندًا لإرادتنا، بل قد نمد له، ونبقي له طاقة العمل وساحة التنفيذ بين يديه، لنمتحنه ونختبره، وقد نوبخه ونؤدبه، وقد ننذره ونحذره، حتى يحين وقت مؤاخذته، ونحن في كل ذلك نشاهد سوء تصرفه، وقد نرى من الحكمة أن لا نعارضه، وأن لا نضع العراقيل في طريقه، أو نكفه عن العمل الذي منحناه فيه حرية التصرف، وقد نرى من الحكمة أن نملي له، ليصلح من تصرفه ويقوِّم من سلوكه، حتى يجتاز الامتحان بنجاح، وعملنا هذا لا شيء فيه من التناقض، بل هو من مقتضيات الحكمة التي تقتضيها ظروف الامتحان الأمثل.
بعد أن صنع (د. العظم) التزييف الذي أراده، واستند إلى المفاهيم الجبري والباطنية الباطلة الفاسدة، ووضع المقدمات التي أقامها على الكذب والمغالطة، انتهى إلى شتيمة الخالق جلَّ وعلا، ووصفه بالمكر والمخادع والاستهزاء، وفق الصور والمفاهيم القبيحة التي لا تليق بالمخلوق فضلًا عن الخالق، وتلاعب بمفاهيم النصوص الواردة في هذا المجال وفق خطته التي عرفناها في كل جدلياته ومغالطاته.
وفي الرد عليه أكتفي هنا بعرض المفاهيم الإسلامية الصحيحة ليظهر منها فساد كل ما انتهى إليه، وفساد كل ما استند إليه.
لقد استشهد بطائفة من النصوص القرآنية وفسرها على ما يهوى، تفسيرًا مخالفًا لدلالتها الحقيقية.
فمن النصوص التي استشهد بها قول الله تعالى في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول) :