وهذا المعنى يتلخص بالحقيقة التالية: إن من يخدع من لا يُخدع إنما يخدع نفسه، فالمنافقون يتصورون بنفاقهم أنهم يخادعون الله، لكن الله تبارك وتعالى لا تنطلي عليه حيلهم، ولا تجوز عليه مخادعتهم، إنه يعلمهم تمامًا ظاهرًا وباطنًا، ولكن بحكمته يمهلهم ويملي لهم، فيظنون أن خديعتهم قد نفذت، وأن حيلتهم قد انطلت، فيتابعون مسيرتهم الآثمة في الخداع، ثم يأخذهم الله بعقابه، يجازيهم بعدله، وعندئذٍ يتبين لهم أنهم لم يخدعوا الله، ولكنهم كانوا يخدعون أنفسهم، فأسلوب الله في معاملتهم جعل خديعتهم تنقلب عليهم، وفي هذا غاية العدل في الجزاء، وهو أن يكون عقاب الإنسان بيد نفسه، وأن يكون السلاح الذي قذفه على غيره ظالمًا له ارتد عليه فأصابه بمثل القوة التي قذفه بها.
واستشهد الناقد بقول الله تعالى في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول) :
وقال في شرح هذا النص في الصفحة (122) من كتابه:
"كان قد شاء تدمير القرية، ولكن لئلا يكون للعباد عليه حجة فيما شاء لجأ إلى المكر، فأمر مترفيها أن يفسقوا حتى يبدو للجميع وكأن القرية استحقت ذلك التدمير. بينما الحقيقة غير ذلك"...
هكذا حوَّر النص تحويرًا شائنًا , وحرَّف معناه تحريفًا مناقضًا تمامًا لأصل معناه، وبيان ذلك فيما يلي:
أولًا: إن الله تعالى لا يأمر المترفين بأن يفسقوا، ولكنه يأمرهم بأن يؤمنوا ويعملوا صالحًا، فيفسقون ويخالفون أمر الطاعة، فمن صفات أمر الله ونهيه أنه يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.
فمن أين أدخل"الناقد"المحرِّف أن الله يأمر المترفين أن يفسقوا والله قال: {أمرنا مترفيها} ثم قال: ففسقوا فيها، ومعلوم بداهةً مثل هذا الكلام يفيد أنهم عصوا الأمر ففسقوا، لذلك استحقوا العقاب على عصيانهم.
وإذا أردنا أن نقدر في النص محذوفًا فأي قارئ عربي يستطيع بداهةً أن يعرف أن المأمور به المحذوف هو ما أمر الله به في شرائعه من الإيمان وعمل الصالحات.
وليس ما حرَّفه سيادة"الناقد"من تقدير (أن يفسقوا) بدل (أن يؤمنوا ويعملوا الصالحات) .
ثم إن ترتيب الجزاء إنما يكون على عصيان الأمر كما هو معلوم بالبديهة، لا على طاعة الأمر.