والله سبحانه هو الذي جعلكم تخلفون من سبقكم في الأرض بعد أن أهلكهم الله , واستخلفكم فيها ; لتعمروها بعدهم بطاعة ربكم , ورفع حكم في الرّزق والقوّة فوق بعض درجات , ليبلوكم فيما أعطاكم من نعمه , فيظهر للناس الشاكر من غيره. إنّ ربّك سريع العقاب لمن كفر به وعصاه , وإنه لغفور لمن آمن به وعمل صالحا وتاب من الموبقات , رحيم به , والغفور والرّحيم اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى.
{هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا} فاطر 39
الله هو الذي جعلكم - أيها الناس - يَخْلُف بعضكم بعضًا في الأرض , فمن جحد وحدانية الله منكم فعلى نفسه ضرره وكفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا بغضًا وغضبًا , ولا يزيدهم كفرهم بالله إلا ضلالا وهلاكًا.
وقال جلّ في علاه: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} الكهف 7
إنَّا جعلنا ما على وجه الأرض من المخلوقات جَمالا لها، ومنفعة لأهلها؛ لنختبرهم: أيُّهم أحسن عملا بطاعتنا، وأيهم أسوأ عملا بالمعاصي، ونجزي كلا بما يستحق.
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} الملك 2
الذي خلق الموت والحياة؛ ليختبركم - أيها الناس-: أيكم خيرٌ عملا وأخلصه؟ وهو العزيز الذي لا يعجزه شيء, الغفور لمن تاب من عباده. وفي الآية ترغيب في فعل الطاعات, وزجر عن اقتراف المعاصي.
فالابتلاء خير مَعلم مطهر للناس؛ والابتلاء في هذا الاستخلاف هو خير وسيلة لأشرف غاية ذلك أن كفاح الإنسان في الحياة هو بوتقة التجربة؛ والمقاساة تتصارع في نفسه خلاله نوازع الخير والشرّ؛ وفي هذا الصراع تكتمل للشخصية الإنسانية ذاتيّتها المستقلة؛ فالنفس التي تتعرّض لشتى مشكلات الحياة فتعالجها بما ينبغي لها من حلول على هذي المثل العليا؛