كانت مصدر انطلاق الحضارة الحديثة في علومها وبحوثها وكشوفها ومنهجها، باعتراف كبار علماء هذه الحضارة نفسها، وباعتراف كبار مؤرخيها.
هل كانت كل ثروات المسلمين العلمية في هذه المجالات تفسيرًا لنصوص دينية؟
إن أصغر دارس لعلوم المسلمين يكذب هذه الفرية، قد نجد في مقدمة كل علم شواهد دينية تحث على دراسة الكون، واكتشاف صفاته وخصائصه وسُننه، وقد نجد في ثناياه نصوصًا دينية تشير إلى بعض المعارف التي اشتمل عليها، باعتبارها أحد وسائل المعرفة، ولكن ليس معنى هذا انحصار منهج المعرفة عند المسلمين بتفسير النصوص الدينية وشرحها.
هل علم الكيمياء الذي شق المسلمون طريقه قد كان تفسيرًا لنصوص قرآنية أو نبوية؟ ومعلوم أن هذا العلم من دراسة طبيعة الكون.
هل علم الفيزياء الذي صحح المسلمون كثيرًا من نظريات الفلاسفة فيه قد كان تفسيرًا لنصوص دينية؟ وعلم الفيزياء من دراسة طبيعة الكون.
هل علم الفلك الذي برز فيه المسلمون قد كان مجرد تفسير لنصوص دينية؟ وهذا العلم من دراسة طبيعة الكون.
هل علم التاريخ والجغرافيا لم يكونا غير تفسير لنصوص دينية؟ وهما من دراسة طبيعة الأرض وتاريخ الإنسان.
هل علما الطب والتداوي الذيّنِ أبدع فيهما المسلمون قد كان مجرد تفسيرات لنصوص دينية؟ وهو من دراسة طبيعة الإنسان وحياته.
هل علم الرياضيات العقلية (الحساب - الجبر - الهندسة) وغيره من العلوم التجريبية والاستدلالية والخبرية والعقلية البحتة قد كانت عند المسلمين مجرد تفسيرات لنصوص دينية واردة في مجالاتها؟
لو أن المسلمين اقتصروا في كل هذه العلوم على مجرد تفسير النصوص الدينية - كما زعم الناقد في فريته - لما تجاوزت معارفهم فيها بعض القواعد الكلية العامة جدًا، ولا شك أن ما تدل عليه النصوص الدينية يمثل لدى المسلمين مصدرًا من مصادر المعرفة، ولكنه ليس كل مصادر المعرفة، لأن النصوص الدينية في هذه المجالات قد أرشدت ووجهت للبحث، وقدمت بعض قواعد هذه المعرفة، لكنها لم تتبنَّ التعريف المباشر بكل قواعد هذه العلوم، أما المهمة الأولى والأساسية للنصوص الدينية فهي التعريف بالدين، مبادئه وعقائده وتشريعاته للسلوك الإنساني الفردي والجماعي.
ولما وجد المسلمون الدفع الإسلامي إلى دراسة الكون، واستنباط المعارف والعلوم عن طريق الملاحظة والتجربة والاستدلال، انطلقوا باحثين في شتى مجالات المعرفة التي تيسرت لهم إبان نهضتهم، قبل أن تثبطهم فترة الركود التي أصابتهم بهجرهم لتعاليم الإسلام، وإخلادهم إلى الراحة والكسل، والاستغراق في الشهوات , ورضاهم بأمجاد الماضي، إضافة إلى عوامل أخرى خارجية عنهم، أوقفت عجلة تقدمهم.
فما افتراه (د. العظم) على المنهج الإسلامي هراء ظاهر صنعته المغالطة التعميمية، ولكشف زيفه وافتراءاته نفصل منهج الإسلام للوصول إلى المعرفة.