فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 172

وهنا يأتي الدين فيقدم ماعني بالإرشاد إليه والتعريف به. مما هو داخل في عالم الغيب، ولا تملك الوسائل الحسية والاستدلالية إدراكه ولا الحكم عليه بإثبات أو نفي، ولا يملك العلم الإنساني هنا إلا أن يذعن للدين، أو يقول: لا أدري، لكني علمت أن ما جاء به الدين مما علمته بوسائلي قد كان حقا ً.

أما منطقة التكاليف الدينية والتعاليم الشرعية فهي أوامر قيادة، يقصد منها بالدرجة الأولى امتحان الإرادة في مجال الطاعة والمعصية، ويكفي فيها باعتبار الأصل أن تكون كيفية تتبع ما تراه القيادة دون مناقشة، إلا أن الإسلام كان في أوامره القيادية حكيمًا، إذ راعى فيها مصالح الأفراد والجماعات، وما يحقق لهم سعادة الحياة الدنيا، إضافة إلى ما وعدهم به من أجر عظيم ينالونه في الآخرة، إذا هم رعوها حق رعايتها. وامتثلوا ما جاء فيها.

لكن الناقد (د. العظم) يقول لنا: هذا كلام تقريري منكم، ولا ينفع في إثبات الحقائق مجرد إيراد أقوال تقريرية خطابية عامة، غير مؤيدة بدلائل واقعية، وإذ يقول هذا الكلام يصر على طرح دعوى التناقض بين الإسلام والعلم في المنهج الذي يجب اعتماده في الوصول إلى القناعات والمعارف والعلوم.

وحين نتابع كلامه نجده يفتري على الإسلام بمجرد الدعوى فقط، ولا يقدم غير كلام تقريري غير مدعم بأي دليل واقعي، وحينما يأتي بكلام يراه دليلًا نجده في الحقيقة تقريرًا جديدًا كذبًا، أو مغلفًا بمغالطة من مغالطاته.

هذه هي خطته العامة كما رأينا، ولكن سنكشف كذبه وافتراءه في قوله لنا: هذا كلام تقريري منكم للتوفيق بين الإسلام والعلم، وفي دعواه وجود التناقض بين الإسلام والعلم في المنهج الذي يجب اعتماده في الوصول إلى القناعات والمعارف والعلوم.

يقول في الصفحة (22) من كتابه:

"فبالنسبة للدين الإسلامي، إن المنهج القويم للوصول إلى مثل هذه المعارف والقناعات هو الرجوع إلى نصوص معينة تعتبر مقدسة أو منزلة، أو الرجوع إلى كتابات الحكماء والعلماء الذين درسوا وشرحوا هذه النصوص، أما تبرير العلمية بأسرها فيستند إلى الإيمان، أو الثقة العمياء بحكمة مصدر هذه النصوص، وعصمته عن الخطأ، ومن نافل القول أن نردد أن الطريقة العلمية في الوصول إلى معارفنا وقناعاتنا عن طبيعة الكون ونشأته، وعن الإنسان وتاريخه، تتنافى تمامًا مع هذا المنهج ألإتباعي السائد في الدين، لأن المنهج العلمي قائم على الملاحظة والاستدلال، ولأن التبرير الوحيد لصحة النتائج التي يصل إليها هذا المنهج هو مدى اتساقها مع بعضها، ومدى انطباقها على الواقع".

كلام (د. العظم) هذا مشحون بالمغالطات والأكاذيب.

لقد بدأ كلامه عن المنهج العلمي للوصول إلى قناعات ومعارف عن نشوء الكون وتركيبه وطبيعته، وعن تاريخ الإنسان وأصله وحياته خلال العصور، ثم ادعى أن منهج الإسلام القويم في كل هذه المواضيع هو الرجوع فقط إلى نصوص معينة تعتبر مقدَّسة أو منزَّلة، وأوهم في سرد كلامه بعد ذلك أنه لم يكن لعلماء المسلمين في هذا المجالات عمل علمي إلا درس النصوص الدينية وشرحها.

فهل هذه الدعوى تنطبق على الواقع؟ أم هي فرية ومغالطة قائمة على التعميم؟

لو كان هذا الكلام صحيحًا بالنسبة إلى تركيب الكون وطبيعته، وتاريخ الإنسان وحياته خلال العصور، فمن أين نشأت الثروة العلمية العظيمة في هذه المجالات عند المسلمين، والتي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت