فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 172

من أجل ذلك ليس لأحد أن يغالط في دلالات النصوص القاطعة، اعتمادًا على ثبوت لفظها ثبوتًا قطعيًا، إن لفهم النصوص منهجًا دقيقًا وضع له علماء المسلمين علمًا قائمًا بذاته، إنه علم أصول الفقه.

وتظل المفاهيم الاجتهادية المأخوذة من دلالات النصوص مفاهيم احتمالية راجحة، قابلة للنقض أو التعديل بأدلة أقوى من أدلتها، حتى تتوافر الأدلة التي تفيد القطع بصحة هذه المفاهيم، وعدم قابليتها للنقض أو التعديل بحال من الأحوال، عندئذٍ يغدو معنى النص قطعيًا، وعندئذٍ يصح أن يوصف بأنه قطعي الثبوت قطعي الدلالة، أو قطعي اللفظ قطعي المعنى.

وربما يتوافر المستند الإخباري القاطع بتحديد فكرة من الأفكار، أو معنى من المعاني، دون أن تأتي هذه الفكرة أو المعنى بلفظ واحد قطعي الثبوت، وعندئذٍ تكون القطعية للمعنى أو للفكرة لا للنص اللفظي، وهذا ما يسمونه المتواتر بالمعنى، إذ يرد الخبر بعد ألفاظ كل واحد منها خبر راجح لا قطعي، إلا أن معناها بالمعنى، إذ يرد الخبر بعدة ألفاظ كل واحد منها خبر راجح لا قطعي، إلا أن معناها جميعًا واحدًا، فإذا كانت عدة هذه الأخبار من قبيل المتواتر الذي يستحيل اتفاق المخبرين فيها على الكذب كان المعنى الذي دلت عليه مقطوعًا به، لأنه خبر متواتر بالمعنى.

وأما القسم الثاني وهو الخبر الذي يترجح صدقه على كذبه فهو خبر يوثق به في منهج الإسلام وثوقًا ترجيحيًا، قابلًا لاحتمال النقض أو التعديل بدليل أقوى منه، ولا يوثق به وثوقًا إلزاميًا قاطعًا، لاحتمال الخطأ أو الكذب فيه، وإن كان بحسب الظاهر احتمالًا ضعيفًا.

وأما القسم الثالث: وهو الخبر الذي يترجح احتمال كذبه على احتمال صدقه، فهو خبر معزول عن الثقة به عزلًا ترجيحيًا قابلًا لاحتمال التوثيق بمعاضدة أدلة أخرى، ولا يرفض رفضًا نهائيًا مبتوتًا به، لاحتمال براءته من الكذب أو الخطأ، وإن كان بحسب الظاهر احتمالًا ضعيفًا.

وهذا القسم يقابل تمامًا القسم الثاني في كل أحكامه.

وأما القسم الرابع وهو الخبر المقطوع بكذبه حسًا أو عقلًا فهو خبر مرفوض بصفة قطعية.

ولكن قد يكون الكذب في رواية اللفظ فقط، مع صحة المعنى، وفي هذه الحالة لا نرفض المعنى من أجل ثبوت الكذب في اللفظ، بل نقتصر على رفض اللفظ فقط، وننظر إلى المعنى من خلال أدلة أخرى خبرية أو حسية أو استدلالية.

وأما القسم الخامس وهو الخبر المشكوك فيه، أي: ما استوى فيه طرفا التصديق والتكذيب من غير رجحان لأحدهما على الآخر، فهو خبر لا يحكم عليه بإثبات ولا بنفي ويوضع قيد الدراسة والبحث، حتى يرد ما يرجح تصديقه أو تكذيبه.

ومنهج الإسلام في الاعتماد على المستندات الإخبارية يبتدئ بما يمكن أن نسميه بالوحدة الإخبارية.

والوحدة الإخبارية هي الراوي الواحد حينما ينقل لنا خبرًا من الأخبار. ولهذه الوحدة الإخبارية في منهج الإسلام شروط لا بد من توافرها حتى تكون أنباؤها مؤهلة لتجريح صدق الخبر، وحتى تكون مائلة إلى جانب القبول، وهي ثلاثة شروط:

1 -العدالة، وهي أن لا يعهد على الراوي الكذب أو المعصية الظاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت