2 -الأهلية الفكرية لتحمل الأخبار ونقلها كما حُملت، دون نسيان أو اضطراب، أو زيادة أو نقص.
3 -اتصال الراوي بمصدر الخبر أو بمن رواه له.
وهذه الشروط تستدعي الملاحظة الدقيقة لرواة الأخبار، والنظر في أحوالهم الفكرية والخلقية والسلوكية، للتأكد من أن أخبارهم صالحة للقبول، وتستدعي أيضًا النظر في صلتهم بمصدر الخبر، أو بمن رواه لهم، وهنا تتسع مشكلة البحث العلمي في تراجم الرجال، وتتبُّع أحوالهم، وتمحيصهم، لكشف الموثوقين الذين تقبل أخبارهم، وتمييز الضعفاء والوضاعين، وتحديد درجة كل منهم في القبول أو الرفض، ونحو ذلك من البحوث.
وهذا عمل يحتاج إلى جهود مضنية وتحريات واسعة، وقد تضافرت فعلًا جهود علماء المسلمين المضنية، للاضطلاع بهذه المهمة الكبيرة على أحسن وجه عرفه التاريخ، فحرروا ما نقل عن الرسول صلوات الله عليه تحريرًا لم يسبقوا إلى مثله، وتفوقوا في أعمالهم من أجل تحرير الأخبار وتنقيحها وتصنيفها على كل أمة نقلت أخبارها، واعتنت بتحريرها، لذلك فلا نجد لدى أية أمة من الأمم ولا شعب من الشعوب ذخائر علمية منقولة بالأخبار الصحيحة الموثوقة مثلما نجد لدى علماء المسلمين، وذلك بسبب وضوح المنهج الذي اتبعوه في التثبت من صحة الأخبار، أو الحكم بأرجحية صدقها.
وقد تكفل علم مصطلح الحديث بتحديد هذا المنهج وتحريره وبيانه، وتفصيل مسالكه على أحسن وجه، كما تكفَّلت كتب تراجم الرجال ببيان أحوالهم وأوضاعهم، ودرجة الثقة برواية كل منهم، والعصر الذي عاش فيه، إلى غير ذلك مما تستدعيه أصول البحث السليم.
ومما هو طريق في هذا الموضوع أن العلماء الغربيين في هذا العصر قد وجدوا أنفسهم مضطرين للاهتداء بهدي المنهج الإسلامي في تحرير الأخبار وتنقيحها، وإتباع الأصول الإسلامية المقررة فيه، إلا أنهم لا يستطيعون استيفاء الشروط الإسلامية في بحث عدالة الرواة لدى التطبيق العملي، لأنه ليس لديهم أي مستند يكشف لهم أحوال رجالهم الغابرين، حتى يرجعوا إليه في تمحيص صادق الأخبار من كاذبها، وصادقي الرجال من كاذبيهم.
والمنهج الإسلامي لا يكتفي في كل الموضوعات بالوحدة الإخبارية الواحدة المقبولة للحكم برجحان صدق الخبر والعمل بموجبه، ولكن القضية في منهج الإسلام تتبع الموضوع الذي يتناوله الخبر، فما كل خبر يترجح صدقه يصلح لأن يعتمد عليه وحده في كل موضوع من موضوعات العلم أو موضوعات الحياة، بل لا بد من نسب في الأرجحية تتفاوت بحسب أهمية الموضوعات، وبحسب النتائج التي تترتب على قبول الأخبار فيها.
فما يقبل في رواية خبر تاريخي عادي لا يقبل في إثبات حق أو إدانة بجريمة، وما يقبل في إثبات حق مالي لا يقبل في الاتهام بالزنى، وما يقبل في رواية حديث نبوي وتصحيحه لا يقبل في إثبات آية قرآنية.
فالموضوعات تختلف فيما بينها، وتتفاوت في نسبة ما تحتاجه من قوة الترجيح التي يقدمها المستند الخبري.
إن بعض الموضوعات تحتاج إلى قوة في المستند الخبري ترتقي إلى مرتبة اليقين الذي لا يقبل احتمال الخطأ، وبعضها يكفي فيه دون ذلك.