السابقة التي كانوا يتصورونها حقًا أو أمورًا مرجحة، لأن معرفة الحق هو الأمر العظيم الذي ينشدونه ويبحثون عنه بإخلاص , ولا يبحثون عن مجرد مبررات يصنعونها بأنفسهم، لتدعيم ما تميل إليه أهواؤهم وشهواتهم، ومصالحهم السياسية أو الحزبية، بخلاف المبطلين في كل ذلك، لا سيما الملاحدة ذوو الأهداف الحزبية السياسية.
لما زعم الناقد (د. العظم) أن المنهج الذي اعتمده الإسلام للوصول إل المعارف والعلوم والقناعات عن الكون وتركيبه وطبيعته، وعن تاريخ الإنسان وأصله وحياته خلال العصور هو الرجوع فقط إلى نصوص دينية معينة تعتبر مقدسة أو منزلة، ورتب فريته كما اشتهى، وخالف فيما ادعاه حقيقة المنهج الإسلامي الذي وضحت لنا خطوطه الكلية العامة، وأدخل في كلامه مغالطات مكشوفة، أورد تعليقه التالي فقال في الصفحة (23) من كتابه:
"إن الروح العلمية بعيدة كل البعد عن هذا المنطق، وهذه النظرة الدينية".
إن أي ناظر في أصول المنهج الإسلامي الذي عرضنا خطوطه الكلية العامة يكتشف بنفسه افتراءات الناقد (د. العظم) وأكاذيبه ومغالطاته، ويرى أنها مرفوضة من أساسها.
إن ما أوضحناه من منهج الإسلام في هذا المجال يقنع - بحمد الله - كل ناظر، ويسكت بالحق كل مناظر، ونضيف هنا شواهد من النصوص القرآنية، تدل على مبلغ الدفع الإسلامي للبحث عن حقائق الكون وحقائق الإنسان، عن طريق النظر في الكون نفسه، وفي الإنسان نفسه، وهذا النظر إنما يتم بوسائل البحث الإنساني، وهي وسائل الإدراك الحسي، ووسائل الاستدلال العقلي.
فمن هذه الشواهد القرآنية ما يلي:
(أ) قول الله تعالى في سورة (يونس/10 مصحف/51 نزول) :
{قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... } .
ففي هذا النص القرآني دعوة آمرة للبحث العملي في السماوات والأرض عن طريق النظر، لا عن طريق تفسير النصوص.
(ب) وقول الله تعالى في سورة (الذاريات/51 مصحف/67 نزول) :
{وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} .
في هذا النص دعوة إلى البحث العلمي في الأرض وفي النفس الإنسانية للتعرف على آيات الله فيهما، وهذا البحث العلمي لا بد أن يعتمد على وسائل الإدراك الحسي والاستدلال العقلي.
(ج) وقول الله تعالى في سورة (العنكبوت/29 مصحف/85 نزول) :
{أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِيءُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِاءُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
ففي هذا النص دعوة للنظر في ظاهرة التكوين عن طريق البحث العلمي، الذي يعتمد الوسائل الحسية والوسائل العقلية، لا على مجرد تفسير النصوص وفهم دلالاتها، كما زعم الناقد (د. العظم) في ادعاءاته وافتراءاته ومغالطاته.
وقد اندفع المسلمون فعلًا يطبقون منهج النظر العلمي في أنفسهم وفي الكون من حولهم، للوصول إلى معرفة حقائق الأمور، عن الكون والإنسان والحياة، وسر المبدأ ومفاهيم النشأة، وهذا البحث هداهم إلى تطبيق المنهج التجريبي، في العلوم التي تخضع موضوعاتها