وأما كون الإسلام لم يحث على تعلم العلوم الطبيعية المادية، التي من شأنها أن تحقق المنافع الحسنة للناس، وتخدم قضايا الرفاهية والجمال والقوة والراحة واختصار الزمن وتنظيم الحياة، فهذا باطل.
فمنذ النهضة الفقهية عند علماء المسلمين قرر الفقهاء أنه يجب على جماعة المسلمين تعلم جميع العلوم النافعة للناس، بما في ذلك العلوم الصناعية، فضلًا عن العلوم الضرورية كالطب والزراعة، والعلوم المتصلة بإعداد المستطاع من القوة، وقرروا أن هذا واجب على الكفاية، تقع فيه المسؤولية على جماعة المسلمين عامة، فإذا قام به البعض سقط الطلب عن الباقين، وإذا لم يقوموا به أثموا جميعًا، واستنبطوا حكمهم هذا من مصادر التشريع الإسلامي، ونصوصه الرئيسية، والإمام الغزالي من الذين قالوا بهذا وقرروه على خلاف ما أوحى به (العظم) إذ قال في غضون ما غالط به: (راجع كتاب العلم في الجزء الأول من"إحياء علوم الدين"، للإمام الغزالي) .
فدعوى (العظم) باطلة في نظر فقهاء المسلمين، والإمام الغزالي في الإحياء قد وجه إلى أشرف العلوم، ولم يقل: إن طلب العلم الذي حثَّ عليه الإسلام منحصر في العلوم الدينية والشرعية، والغزالي نفسه تتبع معظم العلوم المعروفة في عصره فدرسها، وكتب في كثير منها، وواقع حال علماء المسلمين في عصورهم الأولى يكذِّب هذه الدعوى التي طرحها، فقد كانوا بحق طلائع النهضة العلمية الحضارية، بشهادة أساطين علماء الحضارة الحديثة، وما أظن (العظم) أكثر فهمًا منهم لنصوص الإسلام وما يستنبط منها من أحكام دينية ومفاهيم إسلامية!!.
أما كون دراسة مختلف العلوم الطبيعية هادية لهم إلى معرفة الله وعظيم قدرته وبديع صنعته فهو يمثل النظر البعيد إلى آخر حلقة في سلسلة المعارف الطبيعية، ولكن هذا النظر البعيد يجعلهم يتابعون حلقات السلسلة حتى غايتها، ضمن حدود الاستطاعة الإنسانية التي تتهيأ لهم، وليس من شأنه أن يقف بهم عند الحلقات الأولى، لأن الإسلام يحثهم على المتابعة والنظر في كل مراحل الطريق، وبذلك يستطيعون استخراج كل ما ينفع من حقائق علمية.
ومعلوم أن الإسلام يحرص دائمًا على الربط بين العلم والإيمان، بين العلم والغاية المثلى منه، كما يحرص على الربط بين الدنيا والآخرة، بين العمل وغاية الخير منه، بين اللذة والمنعم بها وغاية الخير من ورائها، وبذلك يظهر كمال الإنسان.
ولست الآن في صدد إيراد النصوص الدينية، التي تثبت أن الإسلام يدفعنا بقوة إلى البحث العلمي في الكون، للتعرف على كل حقيقة علمية، لذلك أكتفي بعرض طائفة يسيرة منها.
(أ) قال الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول) :
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ... } .
(ب) وقال في سورة (الجاثية/45 مصحف/65 نزول) :
{اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا منْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .
(ج) وقال في سورة (الحديد/57 مصحف/94 نزول) :