فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 172

من العجيب أن نجد الناقد (د. العظم) ينكر على الباحثين الإسلاميين دعوتهم المسلمين إلى الأخذ بأسباب العلم في كل مجال من مجالات المعرفة، ويرى أن الإسلام يدعو فقط إلى تعلم علوم الدين، أما العلوم الأخرى فإنه لا يهتم بها ولا يشجع عليها، ويرى أن الذين يقولون: إن الإسلام يحث على تعلم كل العلوم النافعة موفقون خطابيون، يحاولون أن يثبتوا الانسجام بين الإسلام والعلم بوسائلهم الخطابية، دون براهين صحيحة، ثم يزعم أن كل النصوص الإسلامية التي دعت إلى العلم والعقل والتفكر موجهة فقط إلى العلوم الدينية والشرعية وما يتعلق بها ويتفرع عنها، لا إلى الفيزياء والكيمياء وغيرهما من العلوم الطبيعية.

يقول في الصفحة (40) والتي بعدها من كتابه:

"من الأقوال التي يرددها الموفقون الخطابيون لإثبات دعواهم الحديث النبوي القائل:"اطلب العلم ولو في الصين"والآيات القرآنية العديدة التي تحث الإنسان على التعقل والتأمل في الأشياء وطلب العلم والمعرفة، إلى آخره مما هو معروف، كل ذلك ليبينوا مدى اهتمام الإسلام بالعلم والعقل منذ القدم. بطبيعة الحال يعطي هؤلاء المفكرون معنى مطلقًا لهذه العبارات الإسلامية، وكأنها لا تنتمي إلى أي زمان ومكان، منفصلة عن الظروف التاريخية التي قيلت فيها، والمناسبات التي حددت معناها ومغزاها وقتئذٍ. من ضمن هذا الاعتبار يتضح لنا أن العلم الذي حث على طلبه الإسلام هو في جوهره العلوم الدينية والشرعية وما يتعلق بها ويتفرع عنها، وليس الفيزياء والكيمياء مثلًا (راجع كتاب العلم في الجزء الأول من"إحياء علوم الدين") ، والعقل الذي طلب الإسلام من الإنسان استخدامه كان الغرض منه التوصل إلى معرفة الله من تأمل صنعته وخلقته، كما فعل حي بن يقظان في قصة ابن طفيل، وليس الغرض منه صياغة نظرية المادية الجدلية، أو نظرية دوركهايم في الطقوس والعبادات الدينية، أو نظرية الكون المحدب".

لست أدري أي شيء يزعجه إذا كان الإسلام فعلًا يحث على تعلم كل العلوم الدينية والطبيعية والعقلية؟

لكن يبدو أن هذه الحقيقة تؤثر جذريًا على دعوة الإلحاد التي تحاول أن تتخذ من العلم دريئة لها، وتحاول أن تقنع الأجيال بأن الدين والحقائق العلمية على طرفي نقيض، لتصرفهم عن الدين وتضمهم إلى جيوش الملحدين، يضاف إلى ذلك أن الملحدين يخشون أيضًا من دخول الإسلام والمسلمين إلى معاقل العلم الصحيح، لأن هذا الدخول يشكل خطرًا حقيقيًا على قضية الإلحاد من أساسها، إذ يكشف الباحثون المسلمون عن طريق العلم الصحيح زيف المادية الإلحادية التي تتستر بالعلم، وتزييف ما يستطيع تزييفه لدعم مذهبها الذي ليس له سند صحيح من علم صحيح، ولا من واقع مشهود.

وفي مناقشة كلامه القائم على المغالطة التضليلية نقول:

أما كون الإسلام قد جعل أشرف العلوم ما يصلح حياة الإنسان ويقوِّم سلوكه، ويقصره على طريق الخير مبتعدًا عن طريق الشر لاغتنام أعظم قدر يستطاع اغتنامه من سعادة الحياة الدنيا، وما يُعدُّه أحسن إعداد لسعادة الحياة الأخرى، فهذا حق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت